يوم أشلَوْها علينا

كنّا مئاتٍ من رفاق المدرسة.. وكان المعلّم معنا، رائدنا وقائدنا. بأيدينا الكتب والصحف والأقلام، وفي صدره الحبّ والعلم والإيمان. دروسنا ابتسامةٌ من شفتَيه، وإرادتنا تقطيبةٌ بين حاجبَيه، وتعاليمنا نورٌ وجمالٌ في مدى ناظرَيه، وطريقنا حقّ الصراع وعزمه في قبضتَيه!

ورحنا نطوف الأطراف والأكناف من دنيانا تلك المحاطة بالشوك والعوسج، المغمورة باليباب والسراب، المحروقة بالدموع والآهات!

وراح المعلّم يقول لنا: انظروا.. هذه الحدود، كانت لنا نقطة الانطلاق من هنا إلى ما نشاء من عوالم وآفاق.. إلى صحارى المياه نزرعها زوارق للمغارب، وإلى بحار الرمال نمرعها بالخير للمشارق… وهذه الخرائب والأطلال، كانت لنا قصورًا وقلاعًا ومعاهد ومصانع ومعابد، وهذه الكهوف والشطوط والصخور، كانت لنا ملاهي ومسارح ومنائر، وهذه الجبال والتلال، كانت لنا وجه الشمم وعنوان الخلود وترس الكرامة في الكفاح… انظروا، كيف أوقِفنا هنا، عند التخوم مقيّدين، واسمعوا أنين حروف الأبجديّة على الشطوط، وصوت مجد الأرجوان على الصخور، وآهة الرسالة، رسالتنا للعالم، كيف تعلو وتختنق، وانظروا إلى معاقل أمجادنا، كيف غدت للقطعان زرائب وللرعيان مأوى، وإلى ملاعب ليالينا، كيف أصبحت لذوات الناب أوكارًا وأوجارًا، وإلى شمّ الذرى كيف طأطأت، ورحاب الجنان كيف أجدبت، وجبهة المشرق أرضنا كيف صفعت… وتأمّلوا، وفكّروا..فها هنا مدرستكم، مدرسة الحياة أيّها الطلاّب، بل يا أيّها الرفقاء!

تلك الجنّة الخضراء، غدت قاحلةً جرداء.. لم يبقَ فيها إلاّ شبحٌ واحدٌ هناك.. شبحٌ راعبٌ رهيب، يبسط ذراعَيه على الجوّ، ويبعث برهبته إلى بقايا الأنفاس المتصاعدة دخانًا من رماد النفوس!
إنّه شبح السيّد المستبدّ، الذي لم يترك لطائرٍ حبًّا ولا لحيوانٍ عشبًا ولا لإنسانٍ لبًّا… رأيناه هناك، على شرفة برجه من بعيد، يجيل الطرف في دنياه جنّتنا التي مسخها كما شاء… ولولا عشرات الغُضُف التي يجمعها حوله، ويُطعمها قوت الجياع، ويسقيها ماء العطاش ويُؤويها في مهود الأطفال، ويحيطها بحبّه وعطفه ورعايته، لتحيط به وتحميه… لولا العصائب تلك لكان بين أهله وحيدًا، وفي قصره شريدًا، ولسمعَتِ الآفاق الموحِشة قهقهات جنونه!
والغُضُف، كعادتها، أمينةٌ وفيّةٌ لليد التي ترمي لها العظم وتلوّح لها باللّحم!
واقترب واحدها منّا.. ولمّا لم يجد بيننا واحدًا من فصيلته، ولم يشمّ لحمًا، ولم يلمح عظمًا، قفل عائدًا إلى سيّده خافض الرأس والذنب.. ووقف حياله يبصبص كأنّه يشكونا… وفهم السيّد اللّبيب ما قاله ذاك لحضرته، فهو بلغته ضليع.. وبيّت لنا نحن التلاميذ والمعلّم أمرًا…
وفي يومٍ مؤاتٍ نفّذ ما دبّر…
كنّا عشرةً فقط من رفاق المدرسة هذه المرّة، وحدنا، نردّد الدرس الذي تلقّيناه عن معلّمنا.. وطفنا كعادتنا في دنيانا.. حتى إذا ما جلسنا تحت الجمّيزة الهرِمة، رأينا كتيبةً من فتيانٍ مسوقين سوقًا للقضاء علينا، ونحن قلّة.. غير أنّنا تغلّبنا عليهم بالكتاب والقلم والقلب واللسان.. ولا غرو، فقد كانت في نفس كلٍّ منهم بقيّةٌ من حقيقة الإنسان.. ورموا بأسلحتهم عند أقدامنا مستسلمين، وانضمّوا إلينا تلاميذ يصغون ويتعلّمون، ليفتحوا عيونهم على على آمال وقلوبهم على سعاده!
ورأى السيّد بمنظاره من بعيد ما رأى.. فاستشاط غيظًا ونقمةً وطغيانًا.. وفتح أبواب حظائر الغُضُف المسعورة، وأشلاها علينا، فانطلقت نحونا طلائع نابحة لاهثة، فلم نبالِ بها، ولم نشأ ردّها إلاّ بأقدامنا.
وعادت الغُضُف إلى سيّدها تعوي من الأوجاع.. فقد آلمتها الأحذية.. وعدنا نحن بكلّ هدوء، نحمل في أرجلنا آثار الأنياب!
وفيما جراحاتنا تندمل، وقوانا تتأهّب للعودة بنا إلى الصفوف، صفوف الرفقاء في مدرسة الحياة المثلى، سمعنا، ويا لهول ما سمعنا. فأطلقناها من أعماق أنفسنا الأبيّة آهةً حرّى تقول:
لا بأس ولا يأس! إنّ مدرستنا منيعةٌ، لم تقوَ الضواري إلاّ على زجاجها!
والحياة لنا!

محمد يوسف حمود (نيسان 1951)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *