يا معلّم

لا، لم تعقَّك يا معلّم، أمّةٌ أنت حكيمها ورسولها!

لا لا، ولم يخذلك يا معلّم، وطنٌ أنت ربيبه وحبيبه!

كلا، ولم يستخذ يا معلّم، رفقاؤك الأمناء وطلاّبك الأوفياء!

فأنت للأمّة ما تزال النبراس في غيهب المصير!

وأنت للوطن ما تزال الرائد في مهمه المجهول!

وأنت للقادة في الطليعة لواء، وللشباب في مدرسة الحياة كتاب!

يا فتى لبنان أنت!

ملء عين الزمن.. وجهك!

سيفنا والقلم.. إيمانك! وموسيقى الحياة نشيدك!

هاك بلادك التي علّمتها.. تهتف لاسمك!

وهاك مجتمعك الذي وجّهته.. يصغي لندائك!

وهاك الأمناء والأوفياء، من الرفقاء رفقائك، والطلاّب طلاّبك، يواكبون علم الرسالة وأنت فيهم… لهم بحقّهم يقين، وبطريقهم هيام، وبنصرهم ثقة العلم في مصارعة الجهل!

فللكلمة التي قلتها يا معلّم، صدىً يضجّ في الأعماق!

وللحرف الذي خططته يا معلّم، وميض الحسام على تراكم الظلام!

وللخطوة التي سرتها يامعلّم، وقعٌ ينادي المستفيق: من هنا الطريق!

وللرسالة، رسالتك التي حملت.. صوتٌ هو دويّ التاريخ!

صوتٌ، كلّ معناه ذرى لبنان وسفوح لبنان وامتداد لبنان!

صوتٌ، وعاه الزمن، منذ كان الإنسان… ينطلق من صور فتتلقّاه أرواد، وتقوله بيروت فتردّده بغداد.. ويتجاوب مع الرياح، من جبيل البحار إلى بعلبك الجبال، إلى دمشق الجنان إلى تدمر البطاح.. وينعطف يسارًا ألى مشارف الشهباء، ويمينًا إلى آفاق سيناء.. صوتٌ له في نجمة الأبيض مناد، وفي مطرح تونس نواد.. كأنّه كان لإنسان المشارق والمغارب نسمة الحياة، قبل أن يكون الهواء!

إنّه صوت المعرفة من لبنان… لبناننا!

وبعد صبرٍ يا معلّم ومصابرة، تنكفيء الجهالة وتخسأ المكابرة، وتنتصر أنت، لأنّك النفس المنتصرة في ذاتها يا ابن موطن الروح الخصيب!

يا ابن من قال للشطوط: كوني منائر.. فكانت!

يا ابن من أطلع الأرز على مفرقه تاجًا.. وأطلق على سنائه السنا أمواجًا..

يا ابن من أعطى وأعطى بسخاء، روحًا ومادة، من جوّه وبرّه وبحره.. وأورث نبل العطاء السخيّ في نفوس أبنائه.. فجئت أنت يا ابنه الأبرّ، ورويته كلّ ما فيك، لئلاّ يعطش!

يا ابن من علّم الدنيا معاني الحياة، وفتح عيون البشر على وجه اللّه!

أولئك هم رفقاؤك المؤمنون بحقّهم يتنادون ويعلنون، وإلى المطلب العليّ يسيرون!

وأولئك هم طلاّبك الخلّص في سبيلك جاهدون!

وأولئك هم الأخيار من قومك لنصرة الرسالة وحماتها يقبلون!

لقد وعوا منك ما سمعوا.. وعلى أنّ ما قلته أنت هو الحقّ قد أجمعوا.

فقرَّ نفسًا يا معلّم.. لقد انتصرت!

وتلك الخشُب أنصاب الرجعة السوداء.. تستعر!

وتلك السحب غيوم المغارب الدكناء.. تنحسر!

وتلك الفلول بقايا النزوة الرعناء.. تندحر!

ولن تشهد الشمس إلاّك في وضح النهار عزيزًا.. ولن يتبوّأ صدارة الشرف إلاّ رفاقك وتلاميذك وأنصارك، في المدرسة مدرستك، والشعب شعبك، والدولة دولتك!

فقف.. كلا يا معلّم لم تمت.. ولن تموت!

قف، وابعث بالتحيّة من قلبك على جناحك.. للأمناء والأوفياء والأخيار!

وابعث بإشعاع ابتسامتك من ثغرك ومن عينيك، إلى الأجيال أضواءً وآمالا!

وقلها.. باسم الشهداء والمستشهدين رفاقك يا معلّم، كلمة هي للتاريخ غصّة!

قلها يا معلّم.. لقد ظلموك!

ظلمك الأقارب والأغراب.. أبواق الغيبيّات وأشباح الإقطاع وثعالب الاستعمار!

هذا على أذنيك كم نقّ بأنغام المستنقعات!

وهذا فوق رأسك كم حوّم بجناحَي دجاه!

وهذا بين قدميك كم راغ بذيل المنى!

قلها يا معلّم قلها!

وقل إنّه الحقّ يا رائد الحق.. جيشٌ لك يا بطل!

وإنّه التاريخ يا صانع التاريخ.. عرشٌ لك يا رسول!

محمد يوسف حمود (كانون الثاني 1951)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *