محاضرة بعنوان القومية الإجتماعية وتحديات العصر

حكاية المدرسة التي أقفلوها

يبدو أنّ الأسطورة حقيقةٌ لا خرافة، من صميم الحياة لا من أفانين الخيال كما كان يتراءى لنا نحن أبناء هذا الجيل، حتى كان ما كان في أيّامنا من حقائق ستغدو بعد أجيالٍ في عداد الأساطير…

فأمس، أمس القريب، حدث في بلدٍ من عالمنا هو منارةٌ من منائر العلم والهدي، حادثٌ جلل، سيقول الناس فيه غدًا إنّه خرافةٌ ملفّقة، لم تحدث ولا يعقل حدوثها إلاّ في دغلٍ من أدغال الجهل والضلال!

والدغل في القاموس، موضعٌ يُخاف فيه الاغتيال!

وغدًا، غدًا الآتي… كلّما نادت المدارس طلاّبها للعودة إليها، وكلّما فكّر والدان في تعليم ولدهما، أو تساءل فتى وفتاة أيّ المعاهد أجدى لهما، قبل البدء بالدراسة أو استئناف التحصيل، يتحدّث القوم في مجالسهم أو يتسامرون في حكاية المدرسة التي أقفلوها…

وإنّي لأستبق الزمان، وأتمثّل في خاطري حلقةً من حلقات الناس، في سنة الألفين مثلاً، بعد خمسين من الأعوام، تضمّ واحدًا منّا نحن أحياء اليوم، جَدًّا، متربّعًا، كومةً من ثمانين حولاً، يجهد في رفع رأسه قليلاً، لينظر إلى الحائط ويقول: ها هو، ها هو المعلّم الخالد.. ويردف بشفتيه الراعشتين، وسبّبة يمناه لمّا تزل مشيرةً إلى الجدار: إنّها صورته. انظروها جيّدًا يا أعزّائي: شعره الأجعد، جبهته العريضة، عيناه الواسعتان، أنفه الأشمّ، ثغره الباسم، عنقه الأتلع، صدره المنيع… لقد كان رجلاً كاملاً، عالمًا مؤمنًا رسولاً.. لقد كان إنسانًا جميلاً…

وتنهمر الدموع من مآقي الشيخ، فيما هو يستعيد الذكرى.. وتعصف في قفص قلبه آهةٌ تاريخيّة حبيسة، يحسّ لها صغير أحفاده بجانبه موجةً من لهيب، فيرفع عينيه الساذجتين ويده الصغيرة إلى وجه جدّه، ملامسًا ذقن العجوز الراجفة، سائلاً: ما لك يا جدّي؟ أتبكي؟ ولماذا؟!

ويتنبّه الصغار جميعًا لتساؤل أخيهم الطفل الواجم، ويقتربون من حضن جدّهم المضطرب يسألونه: لماذا؟ لماذا؟ أتحبّه كثيرًا؟

– لقد كان محبوبًا.. كان كلّه محبّة.. وكنت لديه تلميذًا.. تلقّيت في معهده المعرفة، فعرفت نفسي ومجتمعي ووطني.. ونهلت من دروسه الأخلاق والمناقب، ومن توجيهه الحبّ والإيمان، فخلق منّي المواطن الاجتماعي الانسان!

– هلاّ حدّثتنا عن تلك المدرسة يا جدّاه: يقول كبير الأولاد.

– لقد كانت سَلسَلاً في قَفْرٍ، ومصباحًا في ظلام.. يجيب الجدّ محدّثًا أحفاده… كانت مؤسّسةً علميّةً تربويّةً، مكينةً أساسًا، شامخةً صروحًا، مخلصةً علومًا، خالصةً توجيهًا، منيعةً إيمانًا، وعامرةً آمالاً… شادها رجلٌ فرد، وشاءها بناءً من التاريخ للتاريخ، فكانت.. بعد أن اعتكف سنين وسنين، بعيدًا عن الصخب والصاخبين، في ذروةٍ من ذروات الهدأة والوعي والإلهام.. معبّئًا لإنجاز تصميمها قواه الروحيّة والماديّة، ومجنّدًا في سبيل تحقيقها علمه وعمله، عقله ويديه، وجدانه وشبابه… مؤلّبًا لوجه الخير الذي ينشده أسمى ما في المشارق والمغارب من خيرات، موقنًا بعد الفحص والتشخيص أنّ الأدواء في المدارس وأنّ الدواء في مدرسة!

نعم يا أحبّائي.. لقد كنت في مثل سنّ أبيكم أو أصغر، يوم جاءني صاحبٌ من أصدقائي، وهمس في أذني: تعال معي، سنستمع الليلة إلى المعلّم يلقي درسًا من دروسه الجديدة في مدرسته.. فسألته: وأيّ معلّمٍ هذا وأيّة مدرسة؟.. قال: المعلّم.. ألم تسمع به؟! لقد أعدّ مدرسةً كبيرةً، يعلّم فيها الكبار والصغار، ويوزّع عليهم المعارف والدروس محاضراتٍ ونشراتٍ وكتبًا بالمجّان.. يحدّث الجميع، ويصغي للجميع، في صبرٍ ودعةٍ وحنان.. إنّه شاب في عنفوان الحيويّة، يبدو بطلعته وإشراقه كأنّه أول الربيع!

ومضيت مع رفيقي يا أعزّائي.. وإذا بي حيال الإنسان الوادع المهيب الذي حدّثني عنه الصاحب الصديق.. وسمعته – كأني به الآن يتكلّم – يقول: هنا تحيطون علمًا عميقًا بالمدارك والحقائق والمُثُل، وتتشبّعون من ينابيع التربية والفكر والمنطق، وتتدرّعون بالعقيدة والإرادة، لتشقّوا بأنفسكم طريقكم.. وإنّها لطويلةٌ إلاّ على السائرين!

وكان وطنكم يا صغاري إذ ذاك في غمرة من الظلمات هائلة شاملة، تتوزّع أمّتكم فيها رياح صرصر هوجاء عاتية تهبّ من معاهد العلم الجاهلة والمتجاهلة… فقد كانت للأجانب المستعمرين معاهد، وللإقطاعيّين المتحكّمين معاهد، وللطائفيّين المتّجرين بالدين معاهد، وللعنصريّين الاعتباطيّين معاهد، وللأنانيّين الفرديّين معاهد، وللدجّالين أنصاف الأمّيّين معاهد… وكانت كلّ بؤرة من هذه الأجواء الوخمة تنشر في شعبكم جراثيمها وتبثّ في بلادكم سمومها.. وما أن أعلن ذلك المعلّم افتتاح معهده الجديد، وراح يلقي الدرس تلو الدرس، ويتلو الأمثولة بعد الأمثولة، ويعلن الموعظة إثر الموعظة، حتة أقبل عليه التلاميذ من كلّ صوبٍ وكلّ مذهب وكلّ طبقة وكلّ وكلّمدرسة.. أفواجًا، يتتلمذون.. فيكرّسهم طلاّبًا ويتّخذهم رفقاء، ويلقّنهم المعرفة، من الألفباء للفلسفة… فيتلقّفون الحرف والكلمة والفكر والروح في مثاليّة نظريّة وعمليّة.. ليتخرّجوا بشهادات تمام العلم واكتمال الانسان في شخصٍ قويّ كمي متأهّب لانتزاع الحق في معركة الصراع!

وتنبّه أصحاب المدارس الرجعيّة، وجِلين ساخطين.. وجلين خوفًا على مصالحهم ومصائرهم من الانهيار المريع.. ساخطين على هذه المدرسة الفتيّة التي نشأت فجأة، وتفوّقت.. فحاربوها.. وأقفلوها…

أما المعلّم، فقد استشهد وهو يلقي الدرس الأخير، باسمًا، مطمئنًّا، شاكرًا…

وأما التلامذة النُجُب الأوفياء، فقد انطلقوا للذرى والرحاب، مزوّدين بالمعرفة، معلّمين…

ويصمت الجدّ العجوز هنيهةً… ثمّ يقول: انظروا في عينيّ يا صغاري.. ألا ترَون في كلٍّ منهما أثرًا لناب ثائر؟!.. ولكن، حسبي اليوم عزاء أنّ أباكم قد تخرّج من مدرسة الأمّة، وأنّكم أنتم ستتعلّمون أيضًا فيها… وحسب المعلّم أنّ أمّته الوفيّة قد لبّته وخلّدته معلّمًا هاديًا. فاحفظوا هذه الحكاية يا أعزّائي، وارووها… وقولوا دائمًا في الختام: كلا، إنّها لم تحدث في لبنان!

محمد يوسف حمود (تشرين الأول 1950)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *