محاضرة الزعيم في مؤتمر المدرسين – توجيه المدرسين

أيها الرفقاء المدرسون،

إنها المرة الأولى التي نجتمع فيها في هذا المؤتمر، تضمنا زوبعة الحرية والواجب والنظام والقوة، لنتبصر في المهمة الخطيرة الموضوعة في عنق المعلم القومي الاجتماعي، في الأهداف التي نرمي إليها والغايات التي نتوخى تحقيقها بواسطة التدريس والتعليم.

تعلمون أن النهضة السورية القومية الاجتماعية تعني تغيير اتجاه الأمة السورية من فوضى الانحطاط إلى نظام النهوض. من مصير الاضمحلال إلى مصير الوجود الحي، العامل، بوعي كامل، لأغراض الحياة الجيدة ومقاصد النفس القومية الكبرى. وتعلمون أنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي يحمل رسالة القومية الصحيحة إلى الأمة السورية ورسالة الحياة القومية الاجتماعية وفلسفتها المدرسية إلى الأمة السورية وإلى الأمم جميعاً. فالنهضة السورية القومية الاجتماعية، إذن، هي حدث تاريخي خطير، هي أعظم الأحداث التاريخية التي مرت بهذه الأمة شأناً، بلا استثناء. وإذا نظرنا في مهمة الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يحمل رسالة النهضة السورية القومية الاجتماعية، وجدنا أنها أشق مهمة ظهرت في تاريخ أية أمة من الأمم، فليس، ولم يك قط، للفوضى التي تتخبط فيها الأمة السورية مثيل، ولم يبلع الفساد في أمة من الأمم، في أي وقت من الأوقات، مبلغه في أمتنا إلى هذا الوقت.

بهذه المناسبة، أريد أن أبرز نقطة يجب أن تصير واضحة في تفكير المفكرين السوريين القوميين الاجتماعيين، لأنها سبب من أهم أسباب التخبط النفسي والعملي، ألا وهي: خلو مجتمعنا القومي، مدة أجيال وقرون طويلة، من مؤسسات قومية بالمعنى الصحيح ومن تقاليد قومية عامة يصح الاستناد إليها. فالتقاليد القومية الجيدة، القديمة، كانت مبعثرة ومنسية، والمؤسسات، التي لم يكن غيرها قبل نشوء المنظمة القومية الاجتماعية ومؤسساتها، هي مؤسسات لا تصلح بالمرة ولا يصح اعتماد أية مؤسسة منها نقطة ارتكاز، أو انطلاق، في عمل البناء القومي الاجتماعي. فلا الكنيسة او الجامع او الخلوة (باعتبارها مؤسسة الرابطة الدينية)، ولا العشيرة ولا الطائفة ولا الاقطاع ولا شيء من هذه المؤسسات الأولية يصلح لشيء من مبادىء الحياة الجديدة – الحياة القومية الاجتماعية. ولست أستثني من هذه المؤسسات مؤسسة العائلة – البيت – فالعائلة عندنا هي مؤسسة دينية، طائقية لا مؤسسة قومية عامة. فالزواج والإرث وقضاياهما الحقوقية تصير على قاعدة الطائقة أولاً وعلى قاعدة الجذع الديني ثانياً ولا تصير على قاعدة الأمة مطلقاً. الشرع ديني او طائفي وليس قومياً عاماً. وفي هذه الحالة لا يجد عضو الدولة ( Citizen, Citoyen) حقاً عاماً يستند إليه ويساوي بينه وبين جميع مواطنيه. وفيها يكمن سرّ من أعظم أسرار القضايا أو المشاكل النفسية – الاجتماعية – الحقوقية.

ليست مشكلة المؤسسات، على فداحة أضرارها وعظم ما تسببه من صعوبات لعمل النهوض والبناء القوميين الاجتماعيين، المشكلة الوحيدة التي كانت على النهضة السورية القومية الاجتماعية أن تجابهها وتعالجها وتتغلب عليها. ولكنها كانت ولا تزال المشكلة الأولى العنيدة المعقدة التي رأت الحركة السورية القومية الاجتماعية أنها تصد أولى خطواتها وتعرقل بادىء أعمالها.

إنّ جميع النهضات والحركات الكبيرة التي رأيناها تحقق نجاحاً سريعاً نسبياً، ويبلغ بعضها حد الروعة المدهشة كالحركة الألمانية التي سمّيت، غلطاً الحركة الاشتراكية القومية الألمانية وكانت يجب أن تسمّى الحركة السلالية الجرمانية الآرية الاختصاصية، لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بما سهلت لها بلوغه المؤسسات التي كانت موجودة وكان لها تقاليد فاعلة صالحة للأعمال الإنشائية العظيمة. فقد كان للألمان قوميتهم، التي هي عن أساس عظيم، ومنظمة الدولة الألمانية المركزية الموحدة، وإن لم تشتمل بادىء بدء على دولة النمسة، وكانت بهم مؤسسة الجيش العظيمة ذات التقاليد الحربية العالية وكانت لهم مؤسسات العلم والتوجيه الفكري والروحي وكانت لهم فلسفاتهم القومية والسياسية. وبالاختصار كانت لهم جميع قواعد النهوض والبناء، بل كان لهم بناء مؤثل موثق استطاعوا أن يعطوه شكلاً جديداً وقوة جديدة وأن يضيفوا إليهاً هيكلاً بنائياً جديداً.

وكذلك النهضة الإيطالية المدعوة الفاشستية، التي تقدمت النهضة الألمانية وأعطتها الكثير من الأمثلة والنظرات، قامت على وحدة إيطالية قومية وعلى نظرة ماتزيني القومية الروحية وعلى مؤسسة الجيش الايطالي ومؤسسات الثقافة وقواعد أخرى.

ولم تخلُ نهضة من نهضات أمم متأخرة جداً عن مستوى الثقافة الألمانية وقواعد بنائها من مؤسسات صالحة للاستمرار المجدي ولحمل دفقة حياة جديدة فالفوليين (البولونيين) الذين قادهم فلسودسكي إلى الحرية والاستقلال والقوة وكانت لهم قوميتهم واعتزازهم ومؤسساتهم الاجتماعية والروحية والحربية. وإذا كانوا قد خسروا معظم ما حصّلوه بقيادة فلسودسكي، فلأنهم لم يتمكنوا من تطوير مؤسسات تقليدية قديمة غير صالحة للحياة الجديدة كالاقطاع وغيره، والأتراك لم يستطع مصطفى كمال إحداث نهضتهم الجديدة التي يتوسعون فيها على حساب أمتنا وقوميتنا، إلا بالاعتماد على أهم مؤسسة تركية تمكنت من الاحتفاظ بنظامها وتقاليدها الصالحة للبقاء، ألا وهي مؤسسة الجيش التركي، وعلى ما خلفته جمعية “تركية الفتاة” من تفكير وخطط.

إذا حسبنا ما كان لنا نحن من قواعد للنهوض والبناء بالنسبة لما كان عند غيرنا وجدنا أننا ابتدأنا من درجة الصفر. فقوميتنا كانت مجهولة لنا وأصولها تفككت وتبعثرت من قرون بعيدة ولم أجد، يوم ابتدأت تخطيطي البنائي، مؤسسة واحدة في أمتنا صالحة الارتكاز في عمل النهوض والبناء القوميين الاجتماعيين. كان عليَّ أن أضع القواعد الاجتماعية التي أعلنتها سنة 1935 دولة الشعب السوري الاجتماعية المستقلة الحقوق والواجبات العامة. وأن أؤسس المؤسسات الجديدة الصالحة للحياة الجديدة التي نريدها ولمثلها العليا. إلى مثل هذا العمل لم تحتج نهضة واحدة من النهضات المعاصرة في أية أمة من الأمم. فإذا قلنا إن عملنا الإنشائي العظيم يفوق في خطورته وروعته عمل أية نهضة أخرى في التاريخ لم يكن قولنا إلا إعلان الحقيقة السلمنة والواقع الصحيح اللذين يملآن صدورنا اعتزازاً وافتخاراً.

نحن الأن، في هذا المؤتمر الأول للمدرسين والطلبة، نتابع أعمالنا التأسيسية العظيمة التي لنا اليقين أنها تنقذ أمتنا كلها، كما أنقذت مجموعنا القومي الاجتماعي، من الخراب والفوضى. وقد رأيت الاقتصار على ذكر صعوبة انعدام المؤسسات الصالحة لقيام بناء الحياة القومية الاجتماعية الجديدة، لأن الموقف ليس موقف الدخول في صلب هذا الموضوع دخولاً أرغب فيه في محله ووقته، فلست بمتناول التهدم النفسي وانعدام القيم وفوضى المناقب وانحطاط الأخلاق، وما تضعه هذه الآفات من صعوبات هائلة في طريق سيرنا نحو مصير جديد لأمتنا – مصير الحرية والواجب والنظام والقوة.

من هذه النظرة العجلى على الصعوبات والمشاكل الضخمة، المعقدة التي اعترضت وتعترض سير النهضة السورية القومية الاجتماعية، ندرك، إذا كان لنا شيء من قوة التصور، مبلغ خطر المهمة الملقاة على الزعامة القومية الاجتماعية وعلى جميع العاملين الأذين أقسموا للعقيدة والنظام السوريين القوميين الاجتماعيين، وبصورة خاصة على الذين يتولون تدريس الأحداث وتدريبهم وإرشادهم من السوريين القوميين الاجتماعيين. ولإيضاح خطر مهمة المربّي، المدرس أريد أن أتناول بعض القضايا المختصة بهذه الناحية من العمل القومي الاجتماعي.

إنّ أول خطوة كان يجب على الحركة السورية القومية الاجتماعية القيام بها لتتقدم، هي تعليم العقيدة السورية القومية الاجتماعية والغاية الرامية إليها، لأنها هي الحقيقة الأساسية التي بها نوجد شعباً وأمة ولها نعمل. كل عمل آخر سياسة وتنظيم لا قائدة منه بدونها ولا يجدي القيام به إن لم يكن متفرعاً عنها وعائداً إليها. إنها محور الحياة والفكر الأساسي، فكل عمل يجب أن يدور عليها، ولذلك كان الغرض الأساسي من الحركة السورية القومية الاجتماعية جعلها عامة ومنتصرة في الأمة السورية وحيثما أمكن تحقيق رسالتها الاجتماعية وفلسفتها المدرحية. ولقد ظن بعض المغرورين أنّ العمل العقدي الأساسي كالبحث في الأمة وقوميتها وحقيقتها وأهدافها، أمر يمكن الاستغناء عنه والاستعاضة عنه بالمساومات السياسية الموطوحة بالعقيدة القومية الاجتماعية وغاية هذ الحركة العظيمة فكادت القضية المقدسة تسقط من أسايها وابتدأ الميعان والفوضى يههدان الحركة بالتفكك العام، فلما كان من وراء عودتي من غيبتي عودة الحركة إلى العقيدة والغاية قضي على الميعان والفوضى وعادت الحيوية إلى الحركة وعاودتها روح البطولة والمثالية الأولى. فتعلمون الآن بالاختبار في أي مهوى سحيق تسقط الحركات والأمم التي تفقد عقائدخا ومقاصدها.

قلت إنّ الخطوة الأولى التي علينا أن نخطوها لتسير الحركة السورية القومية الاجتماعية، هي تعليم العقيدة القومية الاجتماعية والغاية الرامية إليها. فهل كان سهلاً هذا العمل؟ – إني وجدت صعوبة كبيرة في تعليم عدد من الأشخاص لا يزيد على أربعة أو خمسة بين 1930 و 1932 تعليماً أولياً غير راسخ. ثم وجدت صعوبة كبيرة في تعليم عدد بلغ نحو عشرة او خمسة عشر شخصاً في آخر ربيع سنة 1932، وفي سنة أخرى بلغ عدد تلامذة العقيدة نحو ثلاثين شخصاً. ويجب أن أقول إنهم لم يستوعبوا، كلهم، العقيدة كما يجب ولم يتمكن إلا القليل منهم من أن يكونوا تلامذة ناجحين ومعامين لها. مع عظم الصعوبة التي وجدتها في توليد الحركة السورية القومية الاجتماعية فإن الصعوبة ازدادت عندما ابتدأت هذه الحركة تحتك بأوساط غرست فيها اعتفادات متنافرة تسد منافذ الوعي القومي على أصحابها. إن نشأة اللامبالاة التي نشأها الكثير من شعبنا مضافاً إليها انعدام المقاصد القومية، كانت، في حد ذاتها، صعوبة عظيمة في زجه توليد الحركة السورية القومية الاجتماعية. ولكن هذه الصعوبة تتضاءل أمام صعوبة الاعتقادات الكسيحة، المشوهة الفكر، التي تغرس في الناشئة بعناية فائقة، في مؤسسات تربوية وتدريسية أنشئت لأغراض معاكسة للوعي القومي وللنهضة القومية الاجتماعية. كلما اتصلنا بمخرّجين من مدارس دينية ذات أغراض اجتماعية وسياسية خاصة، كمدارس اليسوعيين والبروتستانت والأرثوذكس، ومدارس الشيع المحمدية وغيرها، شعرنا حالاً أننا أمام جبهات نفسية تتصدى للتعاليم القومية الاجتماعية محاولة منعها من الانتشار والتقدم، ليس فقط من ناحية القومية او النظرة الفلسفية إلى الحياة والكون والفن، بل أيضاً في الميدان السياسي الداخلي والخارجي.

يتضح لنا من هذا الاستعراض الموجز، أنّ القضية الأولى التي تواجه العقيدة القومية الاجتماعية هي قضية التربية والتثقيف، – قضية الصراع المميت بين تاريخ حديث وتواريخ دخيلة مستمرة – قضية الصراع الفاصل بين نفسية فتية تنظر إلى الحياة والكون ضمن الحدود المغلقة التي تكونت فيها. فقضية الصراع العقائدي الذي أثارته الحركة السورية القومية الاجتماعية بتعاليمخا الجديدة هي قضية صراع ثقافي تعليمي بين مبادىء الحياة الجديدة ومبادىء الحياة الجامدة.

إنّ أخذنا الصراع من درجة المخرجين والمثقفين في المدارس الدينية السياسية والمدارس الأجنبية الذين تكون نفسياتهم قد تكونت ضمن عوامل مدارسهم وبيئاتهم الاجتماعية، يبقينا، يقيناً، خارج صلب المعركة العقائدة الثقافية. إنّ صلب المعركة ليس مع الذين انتهى تكوينهم النفسي على خطط منافية للعقيدة القومية الاجتماعية وللنفسية التي تتطلبها، بل في العمل مع الذين هم في طور التكوين النفسي. إنّ صلب المعركة هو في تثقيف نفسية الأحداث ومعارفهم في البيت وفي المدرسة الابتدائية والمدرسة الثانوية. وتستمر المعركة العقائدية ما وراء ذلك.

لم يهمل صاحب الرسالة القومية الاجتماعية المدرحية هذه القضية الثقافية الخطيرة، بل، بالعكس، أولاها عناية خاصة، إذ جعل في صلب قسَم الغقيدة – قَسَم العضوية – نص أن يتخذ القومي الاجتماعي المبادىء القومية الاجتماعية “إيماناً له ولعائلته وشعاراً لبيته” فجعل كل أب قومي اجتماعي وكل أم قومية اجتماعية مربياً، مرشداً، مثقفاً الأولاد في الدرجة الأولى في التعاليم القومية الاجتماعية. على أنّ الأب والأم قد لا يكونان، بالنظر إلى مستوى المعارف والثقافة الحاضر في شعبنا، عارفين بالأصول والقواعد الهامة في تربية الأخداث وتوجيههم، فلا تكون لتربيتهم النتائج المطلوية، خصوصاً حين تكون المدارس التي يرسلان أبناءهما إليها غير قومية إجتماعية أو مخالفة للعقيدة القومية الاجتماعية. وما دامت الفاعلية التثقيفية تسير ضمن هذه الحدود الت يتشل كل مجهود، فإن الصراع التثقيفي يعطي نتائج معاكسة للأهداف السورية القومية الاجتماعية.

في هذه الحالة تبرز لنا بوضوح أهمية المدرس والمربي القومي الاجتماعي المنصرف إلى التدريس والتربية والإرشاد. فإذا كان تعليم العقيدة السورية القومية الاجتماعية وغلية الحركة السورية القومية الاجتماعية هو أول عمل أساسي من أعمال هذه الحركة العظيمة، كان المدرس القومي الاجتماعي أول جندي في معركة العقيدة القومية الاجتماعية. إنه جندي خط الهجوم الأول الذي عليه أن يدخل صلب المعركة ويحارب لإنقاذ نفوس الأحداث من العقائد الغريبة أو المتأخرة وإدخال العقيدة القومية الاجتماعية، المحررة، البانية. فهل فـَـقِه المدرس، المثقف القومي الاجتماعي مهمته الأساسية الخطيرة؟

هذا السؤال أطرحه الآن ولا أنتظر جواباً عليه إلا النتائج الناصعة في التخطيط والتحقيق. ولكنه سؤال يجب أن يطرحه على نفسه كل مدرس مربٍ قومي اجتماعي حيّ الوجدان شاعر بخطورة المهمة التي تكلفه القيام بها عقيدته في مهنته، في اختصاصه.

إنها لمهمة خطيرة القيام على تربية الأحداث وتلقينهم العلم الصحيح وإرشادهم إلى الحقيقة، وإنه لامتياز عظيم أن يكون المرء مربياً سورياُ قومياً اجتماعياً. فالمعلم السوري القومي الاجتماعي الحقيقي هو الذي يشعر أنه يحمل رسالة النهضة السورية القومية الاجتماعية المقدسة إلى النشء الذي تتحرك فيه قوة حياة الأمة الجديدة، وبقدر إيمانه هو بهذه الرسالة وبقدر ما تكون نفسه متقدة بحرارة فاعليتها يكون نشاطه في العمل لها وولعه بتلقينها للأحداث في قصص تاريخ الأمة القديم ومن تاريخ النهضة القومية الاجتماعية الذي هو تاريخ الأمة السورية الحديث، وفي أمثلة في مناقبية النهضة وفي الأخلاق التي ترسم حططها تعالين\مها وقدوة البطولة والاستقامة والثقة بالنفس واهتماد الحق ومقاومة الباطل وتعزيز الجمال والنبل، وسحق القبيح واللؤم. لكي يقدر أن يكون المدرس معلماً الحقائق والفضائل القومية الاجتماعية يجب أن يكون هو نفسه عاملاً بمناقبية النهضة وسالكاً سلوكها، فيكون قدوة حية يرى الأولاد في تصرفه في كل أمر صغير أو كبير مثل الحرية والواجب والنظام والقوة – مثل كل ما تشمل عليه هذه المبادىء من خير وحقيقة وجمال وسموّ – فتعشق نفوسهم هذه المبادىء وتستنير بهدى التعاليم والمعرفة الصحيحة فينشأون جيلاً جديداً، قوياً، خالصاً من أدران الذل والقناعة بالباطل، سالكاً في طريق حياة الحرية والواجب والنظام والقوة.

لا يكون المربي المنشـّىء عاملاً بمناقبية الحرية والواجب والنظام والقوة، حين ينزل بمهمته العالية القيمة إلى درك مهنة كسيبة للمعاش ويضحي بأثمن قيم الحياة وبشرفه وحقيقته ومعتقده في سبيل معاش من مؤسسة أجنبية أو رجعية يلقي كل همّه الكسبي عليه ويرتاح في كسله وقعوده عن المجد والعز، ويظهر بكل جلاء أن لا هم ّله غير همّ المعاش وأنّ هم ّ المقاصد النبيلة في الحياة قد مات في قلبه من زمان فهو لا يراود نفسه في حلم ولا يخطر له في بال. ولا يكون المعلم القومي الاجتماعي مغلماً حين يرى الأولاد تنحصر نفوسهم الصافية في قوالب الحياة الخالية من المعاني السامية وتتخبط عقولهم في تيارات المناهجتاغريبة عن حقيقتهم وحقهم، فلا يهمخ أن يراهم يتدهورن في مهاوي الانحلال القومي والمثالب النفسية، ولا يهمه إلا أن يقبض مرتبه المعاشي لقاء تسميم نفوس الأحداث بالمناهج الفاسدة. كلا. لا يكون المدرس معلماً قومياً اجتماعياً صحيحاً إلا حين يرى مهمته القومية الاجتماعية أعلى قدراً في نفسه من مهنته الكسيبة. بهذا المقياس يجب أن يقيس المدرّس القومي الاجتماعي نفسه يحاول الإجابة على السؤال الذي طرحته، وهو: هل يفقه مهمته الأساسية الخطيرة؟ إن ّ معركة التثقيف لا تزال في بدئها. إنها جبهة من جبهات حرب العقائد الكبرى. انها حربنا المقدسة.

إنّ قوة الحزب السوري القومي الاجتماعي التي أحرزت له كل الانتصارات الباهرة هي قوّته الروحية – قوة نظامه العقدي. وإنّ الانتصار الأخير الذي أحرزناه آخر الصيف الماضي كان بفضل هذه القوة. فقد اضمحل النظام العسكري الذي كنت قد أنشأته قبل سفري واختلّ النظام الاداري اختلالاً واسعاً، ولكن العقيدة الصحيحة هي التي أنقذت الموقف وجعلت من القوميين الاجتماعيين جنوداً يقاتلون تحت علم الزوبعة بترتيب أو بغير ترتيب. إنّ روح النهضة هو هذه القوة الفاعلة الغالبة.

إذا كنا قد اضطررنا إلى الحرب بغير ترتيب أحياناً فإن من العجز أن نحسب الاضطرار قاعدة فنبقى بلا ترتيب: فالحرب بلا ترتيب ولا تحخطيط هي حرب عمياء شديدة الخطر لا يقدم عليها الخبير إلا مكرهاً. ونحن لا نريد الحرب كرهاً، مفروضة علينا، بل مفروضة منا لإدراك الغاية التي نحارب في سبيل تحقيقها. وإذا كان عملنا يعني بناء مجتمع جديد فلا أخال البناء بلا نظام ولا ترتيب.

إنّ حرب العقائد التي أعلنـّاها نحن حين أعلنـّا تعاليمنا السورية القومية الاجتماعية تتطلب منا جعل قضية الثقافة في مقدمة القضايا التي يجب أن نوليها اهتماماً خاصاً، وأن نخطط لها الخطط ونرتب الصفوف. ولذلك رأيت جمع المتخصصين في التدريس والتربية والتثقيف منا في مؤتمر تدرس فيه مناهج التدريس، في جميع المناطق السورية، ويوضع فيه تصميم منهج التدريس والتثقيف السوري القومي الاجتماعي، ورأيت أن يكون للمعلمين القوميين الاجتماعيين مؤتمر سنوي يعقد كل سنة في فصل الصيف، تقدم في كل مؤتمر تقارير عن تطبيق المنهج السوري القومي الاجتماعي والنتائج الحاصلة وملاحظات وإقتراحات ودراسات تفيد الغاية التي نتوخاها، وينتهي كل مؤتمر بوضع اقتراخات و‘رشادات وتوصيات نهائية تتخذ على ضوء الدراسات والاقتراحات المقدمة من أعضاء المؤتمر.

إني أرى أنّ أعمال المؤتمر الداخلية يجب أن تتناول:

1- درس وضعية أولاد السوريين القوميين الاجتماعيين في المدارس اللاقومية اجتماعية واقتراح أفضل الوسائل للعناية بهم وتهذيبهم في الثقافة السورية القومية الاجتماعية

2- درس وضعية الناشئة السورية ووسائل تحريرها من قيود المناهج الرجعية او الأجنبية التي تعلمها عكس حقيقتها وتبقيها في جهل قوميتها ونفسيتها الاجتماعية.

3- درس حالة الأدب المخصص للأحداث ووسائل سد النقص الكبير في هذه الناحية الهامة.

4- درس مختلف المناهج المقررة في وزارات المعارف في الدويلات السورية ووضع خطط للتغلب على ما فيها من نفص علمي وانحراف في الاتجاه، خصوصاً في ما يختص بفرعي التاريخ والجغرافية.

5- الاختمام بتفسية الأحداث وتربيتها في الفضائل السورية القومية الاجتماعية.

6- الاهتمام بالتأليف والترجمة في نواحي التدريس المتنوعة.

7- الاهتمام بايجاد المدرسة القومية الاجتماعية.

إن أبناءنا هم استمرار حياتنا واستمرار المبادىء التي تعبّر عن حقيقتنا. وإنّ الغرض الأساسي من هذا المؤتمر هو تخطيط تثقيف الأحداث بالثقافة السورية القومية الاجتماعية.

إذا ربحنا الأحداث ربحنا معركة العقائد ومعركة المصير القومي كله. فهدف مؤتمر المعلّمين السوريين القوميين الاجتماعيين السنوي هو: ربح الأخداث للنهضة السورية القومية الاجتماعية التي تشق طريق حياة جديدة للأمة السورية.

النظام الجديد، المجلد 1، العدد 5، يوليو/تموز – أغسطس/آب 1948

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *