خطاب الزعيم بعنوان جهاد الحزب السوري القومي الاجتماعي لتحرير سورية

لم يكن السلم الذي حصل، على أثر الاعتقالات الثالثة، بين الحزب السوري القومي الاجتماعي والحكومة اللبنانية التي تمثـّل المفوّضية الفرنسية، سوى هدنة موقـّتة كانت ضرورية للجانبين، فقد كان الحزب السوري القومي الاجتماعي في حاجة إلى فترة سلم يعيد فيها تنظيم دوائره ودعم صفوفه وأخذ الأهبّة لاستئناف جهاده. وقد نشأت هذه الحاجة عن حرب عنيفة استمرّت زهاء سنتين بدون انقطاع، اشتبك فيها الحزب مع المفوّضية الفرنسية ثمّ مع الحكومتين اللبنانية والشامية وما تشتمل عليهما من عناصر الرجعة المحالفة للإرادة الأجنبية سرًّا والمتظاهرة بـ«الوطنية» علنًا. وكانت الحكومة اللبنانية قد أصبحت في حاجة إلى النظر في موقفها الذي زعزعته هذه الحرب، التي لم يصل إلى الرأي العامّ من تفاصيلها سوى ما يعادل قبعات من بحر.

وقد اختلفت الآراء في البدء في هل تكون هذه الهدنة في مصلحة الحزب السوري القومي الاجتماعي أكثر منها في مصلحة الحكومة اللبنانية أم بالعكس. ولكنّ الظاهر في صيف سنة 1937 وخريفها أنّ الهدنة كانت لمصلحة خصوم النهضة السورية القومية الاجتماعية الذين أخذوا يشيعون إشاعات غريبة ساعدهم على ترويجها جميع الذين كانت لهم مصالح انتخابية ولم يكونوا واثقين من أنفسهم ولا يعرفون شيئـًا عن سياسة الحزب التي ظلـّت طيّ الكتمان. ولكنّ النتائج الأخيرة أظهرت عكس هذا الاعتقاد، فقد عادت الحكومة اللبنانية، التي لا فرق بين أن تكون من فئة الأستاذ إميل إدّه رئيس الجمهورية أو أن تكون من فئة الأستاذ بشارة الخوري «رئيس الكتلة الدستورية» فالفئتان مرجعهما دار الانتداب، إلى ملاحقة الحزب السوري القومي الاجتماعي ملاحقة شديدة، كان ظاهرها بحجّة التحقيق في ضرب صاحب جريدة «المساء» للمرّة الثالثة في أواخر صيف 1938 لعودته إلى التحامل على الحزب. وفي الحقيقة إنّ هذه الملاحقة الرابعة، التي أظهرت فشل الحكومة اللبنانية وتفوّق مؤسّسات الحزب السوري القومي الاجتماعي عليها، كانت بناء على ما بلغ دائرة الاستخبارات الفرنسية من قيام الحزب السوري القومي الاجتماعي بتوسيع دائرة التدريب التطوّعي وتوزيع بعض الخبراء العسكريين على بعض المناطق الاستراتيجية وإعداد الزعيم برنامج رحلته إلى المهاجر. فأوعز إلى «مكتب التحرّيات» الذي أنشئ خصّيصًا في الحكومة اللبنانية لتعقـّب حركات الحزب السوري القومي الاجتماعي، بملاحقة الحزب والقبض على زعيمه وأركانه. ويظهر أنّ دوائر استخبارات الحزب السوري القومي الاجتماعي كانت أقوى وأسرع من دوائر استخبارات جيش الشرق و«مكتب التحرّيات» فقد بلغنا من مصدر موثوق جدًّا أنّ دوائر الحزب العليا أخذت علمًا بالتدابير الجارية لإحباط مشاريع التدريب الجندي ورحلة الزعيم إلى المهجر وأخذت الحيطة لهذه التدابير جميعها. فأمرتُ بإحداث تنقـّلات بعض الموظـّفين والمدرّبين بحيث يتعذر على أعداء الحزب تطبيق معلوماتهم وتعليماتهم، وباشر الزعيم رحلته في الوقت الذي كان معيّنًا ولم يطـّلع عليه غير أعضاء المجلس الأعلى. فانتقل في الحادي عشر من يونيو الماضي من بيروت إلى دمشق حيث تفقـّد شؤون تلك المنفـّذية، وفي اليوم التالي تابع سفره إلى شرق الأردنّ حيث يوجد فرع قوي للحزب، فبقي هنالك عدّة أيّام يتفقـّد شؤونه ثمّ انتقل إلى فلسطين وتابع رحلته من مرفأ حيفا إلى أوروبا فأميركا.

في اليوم التالي لمبارحة الزعيم دمشق إلى شرق الأردنّ داهمت قوّة من التحرّي التابعة لإدارة الشرطة والأمن العامّ مكتب الحزب المركزي في بيروت بقصد إلقاء القبض على الزعيم وعمده. ولكنّ هذه القوّة عادت خائبة، الأمر الذي أدّى إلى اضطراب الدوائر الحكومية والمفوّضية وإرسال التقريع الشديد إلى المسؤولين. وظلـّت دوائر الأمن العامّ تراقب الحزب، بقصد الاهتداء إلى مقرّ الزعيم والقبض عليه وتعطيل برنامجه العسكري وخطـّة رحلته، حتـّى أدركت بعد مضيّ ما يزيد على شهر كامل أنّ الزعيم يصرف وقت راحة في مصايف جزيرة قبرص قبل البدء برحلته. فكان هذا الخبر أشبه بصاعقة انقضّت على أعداء القضيّة القومية، وأدّى إلى سلسلة أعمال جنونية قام بها «رئيس مكتب التحرّيات» وبعض دوائر دار العدل في لبنان، وإلى حملة إشاعات قوية في الصحف وفي أوّلها جريدة «البشير» الأجنبية. وحاولت هذه الصحف جهدها أن تصوّر انتصار الحزب الرائع بصورة إنكسار ورحلة الزعيم، التي كانت مقرَّرة في برنامج سنة 1938، بصورة «هرب». وكانت الحكومة قد هيّأت لهذه الحملة الجديدة من الإشاعات بتعطيل جريدة الحزب «إلى أجل غير مسمّى». ولكنّ كلّ هذه التدابير كانت عقيمة، فإنّ تنقـّل الزعيم بحرّية كذب جميع الإشاعات عن «هربه»، وكلّ ما حاولت هذه الإشاعات أن تلصقه به من دعاوى وتهم. وهكذا تبيّن أنّ الهدنة التي تمكـّن الزعيم بمرونته من الحصول عليها وتمديد مدّتها كانت انتصارًا سياسيًا عظيمًا له لم تتمكـّن من كسفها جميع الأعمال الجنونية التي أتتها دوائر القضاء والأمن العامّ في لبنان. بعد حبوط خطـّة أعداء الحزب السوري القومي الاجتماعي لتعطيل أعماله ومشاريعه والقبض على قوّته المبتكرة انفجر حقد دوائر الأمن الحكومية بشكل حملات «تفتيش» تعيد إلى الذاكرة أعمال ديوان التفتيش التاريخي المشهور خصوصًا «مكتب التحرّيات» الذي يرئسه رجل يحمل وظيفة المدّعي العامّ المركزي في «الجمهورية اللبنانية». ومجرّد قبول المدّعي العامّ المركزي ترؤّس هذا المكتب الذي يحتاج إلى رجل يمتاز بالأعمال الجاسوسية لا بالقضاء والعدل يدلّ دلالة واضحة على قيمة القضاء والعدل في هذا العهد. فقد قام رئيس «مكتب التحرّيات» بعدّة حملات ظهرت فيها ما يحمله الرجعيون من شراسة الحقد على الحزب السوري القومي الاجتماعي، خصوصًا في مداهمة بيت جرجس الحدّاد الذي له ثلاثة أولاد جميعهم أعضاء في الحزب، وكان ذلك في أواخر يونيو الماضي، فعاثوا في البيت غير مراعين حرمة وعزقوا أرض الحديقة وقلعوا بلاط الدار متوهّمين أنّهم بمثل هذا «التفتيش» يتمكـّنون من الحصول على وثائق حزبية وأدلـّة على أعمال الحزب. ولمّا لم يعثروا على شيء استاقوا الشابّين فؤاد ويوسف الحدّاد وأمّهم إلى السجن بداعي أنّهم وجّهوا إلى المهاجمين مثل هذه العبارات: «لا يجوز أن تدخلوا إلى البيت وتفتـّشوا بدون حضور المختار. يخرب بيوتكم! خربتوا بيتنا!». وهذه ليست أوّل مرّة تتعرّض فيه هذه العائلة للاضطهاد بسبب عقيدتها القومية الاجتماعية. ولكنّ المدّعي العامّ أو رئيس مكتب التجسّس يقول للموقوفين وهو يجرّهم إلى السجن: «إن كان مش عاجبكم لبنان انقبروا روحوا عيشوا بسورية»! كأنّ لبنان ملك من أملاكه الخاصّة وكأنّ أهل لبنان عبيد عند طبقة نفعية موالية لكلّ حكم أجنبي.

الحقيقة أنّ الغيرة على لبنان ليست عند هؤلاء الذين يرون الحياة في وظيفة أو معاش سوى ستار يسترون به فظاعة الشراسة التي يسعون بها وراء منافعهم ومعظمها يقوم على خدمة السياسة الأجنبية.

ومهما يكن من شيء فقد جرت محاكمة بيت الحدّاد على «جريمتهم» بصورة يمكن أن تعدّ مثالا لقبائل أفريقيا المتوحّشة. فإنّ رئيس المحكمة وجّه إلى المتـَّهمين مثل هذه العبارة: «مبيّن دعسوا رقبتكم وجرّوكم مثل الفيران عالحبس»! كلّ ذلك ليبيّن حضرة رئيس المحكمة أنّه لا يجوز في لبنان الاعتراض على مهاجمة البيوت الوادعة والعبث فيها من قبل جواسيس الفئة الحاكمة، التي جرّت أهل لبنان إلى حالة من الفقر والانحطاط تضاهي الحالة التي رأتها سورية أثناء الحرب الماضية. فليس للبنانيين حقوق مدنية يجب احترامها وليس لهم حرّية اعتقاد، بل هم جماعة يجب أن تذعن لما يُفرض عليها فرضًا. وقد قيل عن الأستاذ إدّه أنّه قال للفرنسيين في عرض جدل عن كيفية إخضاع اللبنانيين ونزع كلّ استقلال فكري وكلّ طموح من رؤوسهم: «أنا أخبر الناس بالشعب في لبنان وإنّي كفيل بسوقه بالعصا». أمّا المحكمة الموقـّرة فقد حكمت على فؤاد حدّاد بالسجن ستـّة أشهر! وعلى يوسف بالحبس شهرين وغرّمت الوالدة بمبلغ خمس وعشرين ليرة سورية، لأنّ أهل هذا البيت البسطاء قالوا لرجال التحرّي إنّ تحرّي المنازل يجب أن يكون بإشراف مختار المحلـّة، كما ينصّ القانون!

كانت هذه الحملة الحكومية على منزل عائلة قومية بسيطة تشفـّيًا دنيئـًا لم تلبث حقارته أن أظهرت للرأي العامّ، الذي وجد فيه قباحة ضدّ كرامة الشعب بأسره. فرأى المدّعي العامّ المركزي السيّد فرنان أرسانيوس، الذي لا يخجل من الجمع بين وظيفة الدفاع عن الحقّ العامّ ووظيفة الجاسوسية الحقيرة، التي أنشئ لها «مكتب التحرّيات»، أنّه تجاه فشل جديد جعله أضحوكة الناس، الذين سمعوا شيئـًا كثيرًا عن «حملاته» و«خططه» ورأت الحكومة والسلطة أنّهما تجاه حالة جديدة لا تعرفان كيف تحتالان لها، فقد حبطت كلّ مشاريعهما ضدّ الحزب وأسقط في أيديهما ولم تعودا تعرفان كيف تخرجان من المأزق الذي أوقعتهما فيه بطولة السيّد فرنان أرسانيوس رئيس «مكتب التحرّيات» والمدّعي العامّ المركزي.

ولقد اتـّضح لأوساط الحزب السوري القومي الاجتماعي أنّ المؤامرة التي حاكتها دوائر «الأمن العامّ» بالاشتراك مع بعض دوائر القضاء وبعض المراجع العليا انتهت إلى وضع خطـّة عامّة للقضاء على الحزب السوري القومي الاجتماعي قضاء نهائيًا. وقسّمت الخطـّة العامّة إلى خطوط رئيسية هذه هي:

النتائج السلبية

أوّلا- تبيّن من الاختبارات الماضية أنّ اضطهاد السوريين القوميين الاجتماعيين من أجل عقيدتهم لم يُضعف شيئـًا من معنويات الحزب السوري القومي الاجتماعي ولا من قيمته تجاه الشعب.

ثانيًا- تبيّن أنّ كلّ محاكمة سياسية للزعيم تنتهي بانتصار جديد وفتح جديد في الرأي العامّ وملاشاة كلّ نتيجة من نتائج عرقلة حركة الحزب ونموّه.

ثالثـًا- تبيّن أنّ شخصية الزعيم هي الكتلة المغنطيسية التي تتجمّع فيها معنويات الحزب وعوامل قوّة الحركة القومية الاجتماعية.

رابعًا- تبيّن بعد الدرس أنّ قتل الزعيم وهو في قبضة القضاء، كما صرّح المدّعي العامّ السابق أنّ في نيّة الحكومة تنفيذه، يقوّي الحركة بدلا من أن يُضعفها، ويؤدّي إلى عواقب وخيمة ويستعجل الحوادث التي تخشى الحكومة وقوعها.

فصول الخطـّة الإيجابية

بناء على الأسباب المتقدّمة تكون الخطـّة كما يلي:

أوّلا- يجب أن يُضرب الحزب في شخص زعيمه أوّلا.

ثانيًا- بما أنّه لا يمكن مهاجمة الزعيم سياسيًا، لأنّه لا يوجد فيه نقطة ضعف ولا منكشف قابل للطعن، يجب مهاجمته بصورة عدلية، على الأقلّ في الظاهر.

ثالثـًا- وبما أنّه يجب تجنّب كلّ ملاحقة سياسية للحزب تثير قضيّته بشكل خطير يكون الشكل الإيجابي هكذا:

‌أ. يُطلب من المرشّح اليهودي-الشيوعي للانتخابات الماضية جبرائيل منس، الناقم على الحزب السوري القومي الاجتماعي لأنّ الحزب هاجمه في جريدته وبيّن نفعية برنامجه الانتخابي، أن يقيم دعوى مزوّرة على الزعيم ورئيس مجلس عمده السابق.

‌ب. يسلـّم التحقيق في هذه القضيّة إلى التحرّي، بدلا من تسليمه إلى الشرطة العادية.

‌ج. يداهم التحرّي مكتب الحزب السوري القومي الاجتماعي بحجّة التحقيق بالدعوة المزوّرة ويقبض على الزعيم وعمده وتصادَر الوثائق الموجودة في المركز، التي تصبح وسيلة لفتح تحقيق جديد في قضيّة الحزب السوري القومي الاجتماعي ومراميه. ولكنّ هذا التحقيق يكون كحجّة قضائية فقط لإطالة التوقيف، فلا يُنشر عنه شيء في الصحف.

‌د. قبل المباشرة بتنفيذ هذه الخطـّة تعطـَّل جريدة الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى أجل غير مسمّى فلا يبقى للحزب وسيلة لردّ الافتراءات والإشاعات غير النشرات، التي يمكن مصادرتها بحجّة أنّها غير قانونية.

‌ه. تتبلـّغ جميع الصحف، وخصوصًا الحكومية والإكليريكية منها، الأخبار والتقارير الكاذبة التي يجب أن تنشرها كما نشرت أخبارًا كاذبة عن تسلـّط إرادات أجنبية على الحركة القومية الاجتماعية المستقلـّة.

‌و. تمتنع جميع الصحف عن نشر أيّ خبر أو مقال يأتي من مصدر حزبي أو موالٍ للحزب وكلّ ما هو في مصلحة الحزب.

‌ز. يبقى الزعيم وعمده لا أقلّ من ستـّة أشهر قيد التحقيق في تعذيب ومعاملة قاسية لا تقاس بها المعاملات القاسية الماضية. وفي هذه الأثناء ترتـّب المراجع الحكومية والقضائية أسبابًا مزوّرة كافية لإصدار أحكام لمدّات طويلة.

وقد علـّق مرجع قومي عال على هذه الخطـّة فقال إنّ المتآمرين قد أجهدوا قرائحهم كثيرًا لإخراج هذه الخطـّة، التي لا تخفى حقائقها وسخافتها إلا على الذين يجهلون أسرار قوّة الزعيم ومتانة المنظمّة القومية الاجتماعية التي لا يمكن مهاجمتها بمثل هذه الخطط الصبيانية.

تبيّن بما لا يقبل الشكّ أنّ الخطـّة التي وُضعت «للقضاء على الحزب السوري القومي الاجتماعي» كانت كما قال فيها المرجع الحزبي العالي، حقيرة، سخيفة. كانت حقيرة، لأنّها أظهرت حقارة القائمين بها وجبنهم عن مجابهة الحزب السوري القومي الاجتماعي في الميدان السياسي. وكانت سخيفة لأنّها دلـّت على سوء فهم الاختبارات الماضية وعدم تقدير قوّة الحزب الحقيقية تقديرًا يقرب من الصحيح، ولكنّ المتآمرين على النهضة القومية الاجتماعية الذين وضعوا هذه الخطـّة ظنّوا أنّها «قاضية» فسيقع الزعيم في شراكهم من غير أن يعلم الناس شيئـًا من أسرار المؤامرة والأسباب الحقيقية التي تدعو إلى اعتقاله. وسيعتقد الشعب، بناء على الأكاذيب التي تنشرها الصحف أنّ سجن الزعيم كان «لأسباب عدلية» أي لوجود دعاوى عليه من أفراد وإنّ قضيّته قضيّة إجرام عادي لا قضيّة سياسية. هكذا توهّموا وفرحوا فرحًا عظيمًا بما توهّموه. وبينما هم يستعدّون صباح الإثنين الواقع في الثالث عشر من يونيو الماضي لتلقـّي الأنباء بالقبض على الزعيم ونشر الصحف أخبار هذا القبض، إذا برجال التحرّي يعودون إلى دار القضاء «يد لخلف ويد لقدّام»! فتبدّل فرحهم وجومًا وظهرت خطـّتهم الباهرة بأحقر مظاهر السخافة. وكانت النتيجة الأولى لهذه الصدمة الحملات الجنونية التي قام بها رئيس مكتب التحرّيات وأشرت إليها فوق.

شعرت الحكومة اللبنانية أنّها تجاه فشل عظيم وأنّ الحملات التي قام بها رئيس مكتب التحرّيات لم تكن سوى تشفّ ظهرت حقارته بأوضح مظاهرها، فعمدت إلى خطّة جديدة هي اتـّخاذ كلّ عمل يقوم به أفراد من الحزب السوري القومي الاجتماعي حجّة لإلقاء القبض على عدد من كبار موظـّفيه وأركانه وتحميلهم تبعته. ولكن لكي يكون هذا العمل الشائن مبرّرًا بصورة قانونية أصدرت الحكومة تعميمًا بتاريخ السادس والعشرين من يوليو الماضي هذه أهمّ محتوياته:

«عن تعدّد الاجتماعات العامّة وتكرار التجمّعات غير المباحة ونشاط الجمعيات الممنوعة أو المحلولة، كلّ ذلك حمل الحكومة على إنشاء مصلحة خاصّة تقوم بحصر جميع التعليمات وعناصر التحرّيات التي يمكن معها تأمين القمع على وجه متتابع وعلم بالوقائع، تلك هي الغاية من إصدار القرار رقم 630 الذي بموجبه أنشئ مكتب التحرّيات في نيابة بيروت البدائية إلخ..

«على أنّ هذه المصلحة الجديدة لا يمكنها أن تعمل عملا فعّالا وافيًا بالمرام ألا بقدر ما تتلقـّاه من المعلومات الصحيحة السريعة. ولبلوغ هذه الغاية يجب أن ترسل في أقصر مدّة إلى المكتب المذكور صور عن جميع محاضر الضبط المختصّة بالشؤون المتقدّم ذكرها من غير أن تمرّ بدرجات تسلسل الرتب. ويجب من جهة أخرى أن تكون هذه المحاضر واضحة مفصَّلة تسهيلا لسبيل التخفيف القضائي وتطبيق العقوبات المنصوص عليها في القانون..

«ولكنّ إرسال المحاضر لا يكفي إذا كانت السلطات الإدارية لا تبحث بهمّة ونشاط جميع المعلومات المفيدة العائدة إلى التصرّفات التي يراد بها إحداث خلل في النظام وإثارة أفكار الجمهور وإذا كانت أيضًا لا ترسل تلك المعلومات في وقت واحد إلى المكتب المشار إليه وإلى رؤسائها بالتسلسل..

«على أنّ الاحتياط والقمع لا يكونان فعّالين إلا بقدر ما يتناولان المدبّرين والمحرّضين قبل المتظاهرين الخاملي الذكر أو القائمين بدور لا شأن له. فلذلك يجب أن يُعلـَن في المعلومات الأشخاص الذين يرأسون حركة الشعب أو الجمعيات غير المباحة وأن تذكر عند الاقتضاء فروع هذه الجمعيات وعلاقاتها وطريقة عملها وما لديها من وسائل الدعوة وأن يصرف الجهد إلى الاستعلام مقدّمًا عن مشاريعها وإلى عرقلة أعمالها بمهارة وبراعة وأن تقترح عند الاقتضاء التدابير التي من شأنها أن تؤدّي إلى فشل الأعمال الجرمية. وعلى الجملة فإنّ السلطات التي يهمّها حفظ النظام والأمن العامّ يلزمها أن تظهر أكبر نشاط لكي تحصل على المعلومات الصحيحة وتمنع تدريجيًا الأفعال والمحاولات التي من شأنها تكدير صفو الأمن العامّ..

«إنّ هذا التعميم لا يغيّر شيئـًا من الأوامر المختصّة بعلاقات دوائر الحكومة من جهة وإدارة الأمن العامّ (التي عُيّنت مهمّتها في القرار 269 الصادر من المفوّض السامي في 20 نوفمبر سنة 1935) من جهة أخرى».

ولا يحتاج المطـّلع لأكثر من نظرة سريعة لتتـّضح له الأمور التالية:

1. إنّ لغة هذا التعميم السقيمة تدلّ على أنّ الأصل صادر عن مرجع أجنبي وإنّ هذا النصّ ليس سوى ترجمة.

2. تكليف الأسلاك الإدارية ومن ضمنها سلك الجندرمة مساعدة مكتب الجاسوسية للوصول إلى معلومات تحتاج إليها السلطة في صدد الحزب السوري القومي الاجتماعي. وتكليف هذا السلك الأخير القيام بتحرّيات من عنده يُكافأ القائمون بها مكافآت كبيرة بالمعاش والراتب والأوسمة وتحويل الجنود إلى جواسيس.

3. تحويل جميع المعاملات الإدارية المتعلـّقة «بالتجمّعات غير المباحة ونشاط الجمعيات المحلولة أو الممنوعة» إلى مكتب التحرّيات ليتدخّل في جميع الأمور التي هي من حقّ الإدارة في سبيل تحقيق «المرام».

4. لا يُقصد من «نشاط الجمعيات الممنوعة أو المحلولة» غير الحزب السوري القومي الاجتماعي بدليل تكرار اجتماعات الأفراد الذين يشكـّلون الجمعيات المذهبية اللبنانية الممنوعة علنًا في منتديات بيروت العمومية ونشر الجرائد، وخصوصًا الموالية منها للحكومة كـ«البشير» وغيرها، أخبار هذه الاجتماعات و«الخطب» التي تـُلقى فيها.

5. يدلّ هذا التعميم على استفحال شأن الحزب السوري القومي الاجتماعي ومبلغ قلق الدوائر الحكومية والمرجعية من نشاط حركته.

وقد ذكـّرنا صدور هذا التعميم بالقرار المشار إليه في ذيله، الذي صدر من المفوّض الفرنسي في العشرين من نوفمبر سنة 1935، أي بعد اكتشاف أمر الحزب السوري القومي الاجتماعي وإلقاء القبض على زعيمه بأربعة أيّام، وكلّ القرارات والقوانين التي سبّبها ظهور هذا الحزب المتين النظام، وهي قوانين تضع في يد المفوّض الفرنسي سلطة واسعة على القوّات البرّية والبحرية والجوّية ليستخدمها في «قمع» كلّ حركة تظهر في البلاد. والناس كلـّهم هنا يعلمون أنّه لا خطر يوجب اتـّخاذ مثل هذه التدابير الاحتياطية غير خطر ظهور الحركة السورية القومية الاجتماعية المنظـَّمة تنظيمًا يضاهي، بل يفوق تنظيمات أجنبية كثيرة.

إنّ أهمّ عبارة على الإطلاق في تعميم الحكومة المتقدّم (نشر في العدد السابق) هي هذه: «على أنّ الاحتياط والقمع لا يكونان فعّالين إلا بقدر ما يتناولان المدبّرين والمحرّضين قبل المتظاهرين الخاملي الذكر إلخ…» فالواضح الصريح من هذه العبارة أنّ الحكومة تريد أن تتذرّع بكلّ حادث بسيط لتحميل كبار المسؤولين في الحزب السوري القومي الاجتماعي تبعة «الإخلال بالأمن العامّ» ولملاحقتهم وإلقاء القبض عليهم. فإذا تشاجر أحد القوميين مع أحد من الناس لأسباب عقائدية أو سياسية كان على الشرطة أو الجندرمة أن تضع في محضر الضبط:

«إنّ فلانًا ينتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. وهو حزب يعمل في الجمهورية اللبنانية بدون رخصة قانونية. زعيمه أنطون سعاده وعمده فلان وفلان. وترجّح الجندرمة أنّ الشجار كان بتحريض الرؤساء نظرًا للطاعة المشهورة عن هذا الحزب» وأيّ تركيب كلامي مثل هذا التركيب يكفي ذريعة للحكومة لتطلب ملاحقة زعيم الحزب وأركانه وموظـّفيه فيؤخَذون على غرّة من حيث لا يدرون.

والظاهر أنّ مغزى هذا التعميم الذي فات معظم الناس هنا لم يفت مراجع الحزب السوري القومي العليا فتشكـّل وفد من الأمينين ثابت وقبرصي لمقابلة مراجع المفوّضية في صدده. فزار هذا الوفد رئيس الغرفة السياسية وطلب رأيه في التعميم المشار إليه فقال إنّه لا يجد خطرًا بارزًا على الحزب، فأشار الأمين ثابت إلى أنّه مع كلّ ما في التعميم المشار إليه من دلائل القياس العامّ فتطبيقه عمليًا مقصود به الحزب السوري القومي الاجتماعي فقط أو في الدرجة الأولى على الأقلّ لسببين: الأوّل أنّه لا يوجد في لبنان جمعيات تقوم بحركات واسعة غير الحزب السوري القومي الاجتماعي. والثاني أنّ هذا الحزب هو الحزب الوحيد الذي نشأ بدون الأخذ برغبة السلطة أو خلافـًا لرغبتها، على العكس من جميع الأحزاب التقليدية التي أنشأتها السلطة في لبنان وتعهّدتها وكانت الحكومة كلّ شيء فيها.

فأجاب رئيس الغرفة السياسية أنّه لا ينكر الصعوبات التي تقيمها الحكومة للحزب السوري القومي الاجتماعي. ولكنّه يعتقد أنّ مشاكل الحزب مع الحكومة اللبنانية ناشئة عن توتـّر العلاقات بين لبنان والشام بسبب الخلاف على المصالح المشتركة!

فردّ الوفد على هذا الكلام بصراحة وقال إنّه يتعجّب أن تكون المشادّة بين الحكومتين اللبنانية والشامية سببًا للتفكير في اضطهاد الحزب السوري القومي الاجتماعي وملاحقته لأنّ الحزب لا شأن له في الخلاف الناشب على المصالح المشتركة غير شأن الموقف. وأشار إلى أنّ الدستور اللبناني لا يمكنه أن يفرض على اللبنانيين عقائد ومبادئ قومية «ستندرد» وإنّ كلّ ما يطلبه الدستور هو مراعاة النظام المعمول به من غير مساس بعقائد اللبنانيين. ولمّا كان السوريون القوميون الاجتماعيون يمارسون عقائدهم ضمن النطاق الدستوري والنظام الأساسي المرعي، وهي ممارسة تخوّلهم إيّاها حقوقهم المدنية فإنّ كلّ ملاحقة جديدة لا يكون لها نتيجة غير إخراج السوريين القوميين الاجتماعيين عن هذه الحدود بعد جميل الصبر الذي أظهروه. وعلى أثر هذا الكلام أعتبر الوفد أنّ المقابلة قد انتهت.

خرج الوفد السوري القومي الاجتماعي من الغرفة السياسية في المفوّضية الفرنسية بعد أن أدّى رسالته على أفضل وجه. وقد رأت دوائر السلطة من اهتمام الحزب لأمر التعميم الصادر من الحكومة اللبنانية أنّه متيقـّظ جدًّا، ودلـّت قرائن الأحوال على أنّ الحكومة ستتجنّب القيام بحركة عامّة تجاه الحزب ولكنّها ستحاول عرقلة بعض أعماله والحصول على معلومات عن خططه. وجاء حادث تأديب عارف الغريب للمرّة الثالثة ذريعة لمكتب التحرّيات ليتابع البحث عن «الوثائق» والمعلومات المفيدة بالنشاط المفروض فيه إظهاره لقاء معاشات موظـّفيه.

أمّا سبب ضرب عارف الغريب للمرّة الثالثة فهو عودة هذا الصحافي الجاهل إلى التهجّم على الحزب السوري القومي الاجتماعي واختلاق الإشاعات عنه. فإنّ أحد أفراد الحزب المدعو محمّد سعيد اللحّام ثار ثائره وقرّر الانتقام للحزب بتأديب ذلك الصحافي وأطلع بعض رفقائه القوميين على عزمه، وفي ذات يوم التقاه وكانت النتيجة أنّه ضربه ضربًا مبرّحًا فقـُبض عليه وأقرّ بفعله وأدلى بالسبب الذي حمله على تأديب عارف الغريب وصرّح بأنّه أتى ما أتاه بدافع غيرته على حزبه وعقيدته. ولكنّ الحكومة اللبنانية رأت ألا تفوّت هذه الفرصة فقرّرت العمل ببعض تفاصيل الخطـّة التي رسمتها لمهاجمة الحزب السوري القومي الاجتماعي وبمنطوق تعميمها الذي أثبتـّه فوق. فهاجم التحرّي بيوت بعض القوميين الاجتماعيين الآمنين وأوقفوا الرفيقين فكتور أسعد وعبد الرحمن العكـّاوي. ولمّا لم يتوفـّقوا ولم يعثروا على وثائق حزبية قرّروا توسيع نطاق التحرّي والتوقيف فأوقفوا عددًا من القوميين والأمين مأمون أيّاس وأجروا بعض توقيفات في طرابلس. ثمّ أوعز مكتب التحرّيات إلى الصحف التي لها علاقة بمكتبه بنشر ما يبرّر هذه التوقيفات. فقامت هذه الصحف تتكلـّم عن الأسرار الغريبة والوثائق الخطيرة التي تمكـّن مكتب التحرّيات من العثور عليها. وكلّ ذلك أوهام يستر بها السيّد فرنان أرسانيوس عجزه وعجز مكتبه عن الوقوف على شيء حقيقي. ونشرت جريدة «البشير» في عددها الصادر في 26 أكتوبر الماضي هذه الأضلولة: «كلـّما اتـّسع نطاق التحقيق في حادث الاعتداء على الأستاذ عارف الغريب صاحب ’المساء‘ ظهر للمحقـّقين أسرار غريبة تتعلـّق بالحزب السوري القومي الاجتماعي وأعماله. ولقد تمكـّن مكتب التحرّيات القضائية في بيروت بعد توقيف السيّدين عبد الرحمن العكـّاوي وفكتور أسعد من العثور على بعض المخابرات الدائرة بين الزعيم أنطون سعاده في الخارج وبين أركان حزبه، وقيل إنّ هذه المخابرات على جانب كبير من الأهمّية، فتقرّر توسيع التحقيق وداهم رجال التحرّي في بيروت منزل السيّد الياس ميخائيل سمعان الذي تبيّن لهم أنّه من أعضاء الحزب فلم يجدوه فيه ثمّ قصدوا دكـّانه فاعتقلوه فيه ووجدوا في هذا الحانوت كثيرًا من الأوراق والوثائق فصادروها وسلـّموا الشابّ إلى المستنطق الذي أصدر بحقـّه مذكـّرة توقيف غير موقـّت وأودع السجن..

«وعُقد على الأثر اجتماع في مكتب النائب العامّ فتقرّر توقيف أشخاص آخرين من قادة الحزب فصدرت بحقـّهم المذكـّرات وقـُبض على الأستاذ مأمون أيّاس وصودر من منزله كثير من المستندات والأوراق وسلـّم معها إلى المستنطق الذي أصدر بحقـّه مذكـّرة توقيف غير موقـّت وجيء من طرابلس إلى بيروت بأحمد ناصيف حجّاج وهو من الذين ساعدوا محمّد سعيد اللحّام ضارب الأستاذ الغريب على الاختفاء من وجه القانون في قرية بترومين».

عن «سورية الجديدة»، الأعداد 1، 2، 3 في 11، 18، و25 آذار 1939

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *