قصيدة بعنوان "إلى أنطون سعاده"

محاضرة لعميد الثقافة بعنوان الحوار – تحليل ومقترحات

أيها السادة الحضور

الرفقاء والرفيقات المحترمون

ما اقرب الأمس من اليوم !

إننا ونحن نتأمل القيادات السياسية في لبنان، يجلسون الى مائدة الحوار، بعد تقاصف كلامي وتّر اللبنانيين وشحنهم على مدى عام كامل، كاد يعيد لبنان الى اجواء التذابح، وقفنا نحن في الحزب السوري القومي الاجتماعي نتأمل كم هو قريب يومنا من أمسنا !

أمسنا الذي نقصد، بداية الحرب اللبنانية عام 1975، الذي نسي معظم اللبنانيين كم قالوا فيها “تنذكر ما تنعاد” وكادوا ان يعيدوه في لحظة تخّلٍ. وقفنا نتذكر كم من مرة استمات رفقاؤنا آنذاك وخاطروا بحياتهم بين منطقة شرقية وغربية، لايصال البيانات المطبوعة التي كانت تدعو اللبنانيين الى التحاور فيما بينهم، وحقن الدماء البريئة. ونتذكر كم عانى رفقاؤنا آنذاك من تهم ترمى ضدهم من كل فريق، بالعمالة للفريق المقابل.

نتذكر اليوم كم كانت صادقة رسائل الرفيق جورج عبد المسيح للشيخ بيار الجميل، والتي ستنشر قريبا في كتاب خاص، والتي كان يدعوه من خلالها لاطلاق الحوار وتحكيم العقل. ونلاحظ اليوم ان اجوبة بيار الجميل تتكرر اليوم وتتجدد، ولكن لمتهمين اقرب اليه من “الفلسطينيين” هم اخوته في المواطنية وشركاء له في “الوطن الواحد”.

نتذكر جهود الرفيق جورج عبد المسيح يجوب الوديان بعد ان قطعت الطرق وعّزت، ليلتقي المرحوم كمال جنبلاط في بلدة الجديدة الشوفية، في محاولة لاقناعه بعدم الانجرار الى التناحر الذي يودي بالكيان اللبناني، وكيف كانت تبريرات جنبلاط يومها تنحو باللائمة على “الانعزاليين” من اليمين اللبناني وتآمرهم مع “اسرائيل”، وان ضغط حلفائه عليه كان يدعوه الى عدم التراجع (وليت رفقاءنا الذين حضروا هذه اللقاءات يدونونها كتابة للحفاظ عليها من الضياع).

ونتأمل كيف كان رئيس الحزب يومها، الرفيق يوسف قائدبيه يتنقل بين قادة المنظمات والفصائل الفلسطينية، من جبهة شعبية وديمقراطية وجبهة تحرير ومنظمة تحرير وفتح بفروعها وغيرها، لمنع انغماس السلاح الفلسطيني الذي كان من الواجب توجيهه نحو العدو اليهودي فقط، بدلا من توجيهه الى صدور اللبنانيين وحتى الى صدور الفلسطينين.

ونذكر كيف ان بعض القبضايات الاشاوس ممن نترفع عن الاشارة اليهم وهم يعرفون انفسهم تمامًا، لم يرقهم تحرك رئيس الحزب آنذاك، فربضوا له في منطقة الغرب – عاليه وانزلوه من سيارته وسرقوها، وتركوه على قارعة الطريق، لو لم يسارع المسؤول في الجبهة الديمقراطية الذي كان حضرة الرئيس قد التقاه لتوه، الى مطاردة هؤلاء “الاشاوس” واستعادة السيارة المسروقة وتعنيف المسؤول عن الحادث.

أكتفي بهذا القدر من الذكريات في هذه العجالة، لتسجيل حقيقة ان الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يرأسه اليوم الدكتور انطوان ابي حيدر(الانتفاضة)، كان ومن بداية الحرب العبثية اللبنانية يحاول تحييد السلاح ودفع الاقطاب نحو الحوار كبديل ولو نجح في مسعاه يومئذ ، لتوفر على اللبنانيين وعلى لبنان كل ذلك الدمار في عمرانه واقتصاده واخلاق ابنائه وفي سمعته ومصداقيته.

يومها ايها السادة، كان كيسنجر اقوى منا جميعا (ونأمل ان نتعظ اليوم، فنكون بحوارنا، اقوى من كوندوليزا في هذه الجولة الجديدة).

فشلنا في وقف القتال، مع انه كان هناك جنبلاط يتفهم ويحاور وبيار الجميل يصغي بحذر، وفلسطيني قادر على قول كلمته. اليوم … لسنا نحن القوميين الاجتماعيين، من اقنع اقطاب السياسة في لبنان باللجوء الى الحوار، وكما لم يكن صوتنا مسموعًا في بداية الحرب عام 1975، ليس الآن مسموعًا ولم يكن طوال الفترة الممتدة بين اتفاق الطائف ووصول لبنان الى حافة الانهيار.

لو سمعوا يومها … وماذا ينفع التندم اليوم

ولو يسمعون اليوم ، وهل لصوتنا هذا صدى ؟

مع هذا نحن سعداء بالحوار، ولو لم يكن لنا فيه رصيد. المهم انه جارٍ اليوم ونتمنى الاّ ينتهى. حتى بعد الوصول الى “خواتيم ايجابية”، لأن دعوتنا هي هي الى تحكيم العقل والالتزام بالمصلحة الوطنية والقومية العليا، وهي ليست محدودة بزمان ولا بظرف طارئ وبالعكس، لا نتمنى ان يكون الحوار “خاتمة”، بل بداية لمرحلة جديدة يقف وراء كل عمل خطير.

لم يصغِ الينا أحد في بداية الحرب، بسبب واحد وحيد، لأننا لم نكن طرفا ، ورفضنا ان نكون طرفا، وبالتالي لم نكن نملك ان نقرر مصير احد، او ان نعطل قرار احد. يومها، من لم تكن يده على “الزناد” كان “عدو العباد” وطبعا لم يكن الرأي قبل شجاعة الشجعان، بل كانت هي أولا وهو المحل الأخير لا الثاني. حتى استحالت بيروت الى ركام وانهار لبنان على ايدي “محبيه”، وكنا نتهم نحن باننا أعداؤه.

في مؤتمر  لوزان، لم نكن موجودين، ولا في اتفاق الطائف، لأن لا خوف من “مخالبنا” فنحن دعاة حوار لا نشكل خطراً على أحد.

قيل للزعيم السوفياتي ستالين مرة، وبعد ان اتفق مع هتلر على اقتسام اوروبا، قيل له: ان قداسة البابا لا يوافقك في سياستك هذه ، فأجابهم: وكم دبابة يملك قداسة البابا هذا ؟

ففي حساب التسويات والمعاهدات والاتفاقات، لا يتسع المكان إلا لاصحاب المخالب-الدبابات.

ثم اننا كحزب سوري قومي اجتماعي، لا نمثل طائفة ولا مذهبا. نحن حزب علماني نقول بوجوب فصل الدين عن الدولة (ورجاءً افهمونا جيدا، نريد فصل الدين عن الدولة، لا عن المجتمع ولا عن الحياة الاجتماعية) حفاظًا على الدين من اختلاط السياسة فيه وافساده، وحفاظًا على الدولة من تعدد الوجوه والمحاور، لأنها مظهر المجتمع الراقي السياسي والحقوقي والقضائي. ولأننا نطالب بمنع رجال الدين من التدخل في الشؤون السياسية، كي لا تتحول السياسة الى مصالح طوائف كما هو حاصل اليوم. وان كَرِهَ رجال الدين ذلك، فلا بد من ان يأتي يوم يتفهمون فيه ان هذا الحزب ينزه الايمان الديني عن الوقوع في اسر السياسات الضيقة، وفي الديماغوجية والمساومة التي تسئ الى الدين والى رجاله ان هم ابتلوا فيها.

ولاننا ندعو ومنذ العام 1932 الى ازالة الحواجز بين مختلف المذاهب والطوائف، وطبقنا ذلك فعلا في سير حياتنا منذ اربعة وسبعين عامًا فكسبنا احترام رجال الدين والدنيا، يوم كانت دساتير معظم الدول التي تسمي نفسها عالمًا اولاً وثانيًا، ما زالت تعتمد التمييز بين الاديان والمذاهب وتكريسها في دساتيرها، لا بل والحض على اذكاء نارها عندما كانت مصالحهم تقتضي ذلك.

اجل ايها السادة … نحن خارج الحوار لاننا علمانيون، لا نستطيع جر طائفة خلفنا، ولا تجيير قرار طائفة، ولا اذكاء عصبية طائفية.

والمفاجئ انك تسمع اصوات بعض المتحاورين، تعلو مطالبة بالدولة العلمانية.

نحن خارج الحوار لأن المعنيين بالحوار هم اصحاب الاحزاب والتيارات التي كانت جزءًا من المعادلة السياسية اللبنانية. نحن لم نكن يومًا جزءًا من المعادلة السياسية خلال الحرب اللبنانية ولم يكن لنا حصة لا في مجلس النواب ولا في الوزارات ولا في الصناديق ولا في التعهدات الكبرى والصغرى، ولا في الخليوي ولا المطار ولا المرفأ، ولا في صفقات بيع السلاح.

وليس لنا وسيلة اعلامية كبرى. كل ما لدينا هو نشرة حزبية رسمية نوصل من خلالها فكرنا لمن يحبّ ان يسمع، ونعترف بحق الذين يريدون سد آذانهم ساعة يشاؤون.

وفي نشرتنا هذه، لم نكن باطنيين في يوم من الايام، ولا مأجورين لدولة ولا لشركة ولا لمخابرات ولا لسفارة، بل كنا وما زلنا نسجل للتاريخ فقط الرأي الحر غير المرتهن ولا المداجي ولا المحابي ولا الخائف إلاّ من المسؤولية امام الضمير والامة.

لذلك، ولاننا لم نكن اقطابًا في جبهة مقابل جبهة اخرى لم تستقطبنا الجبهات التي كانت تتشكل لا في الثامن من آذار ولا في الرابع عشر منه، ولا حتى رغبت “القوة الثالثة” في الصبر والاستماع لما نريد قوله من منبرها كاملاً. وكنا وحدنا على ميراثنا الاصيل جبهة أول آذار وأول آذار فقط.

ولماذا يريد المتحاورون ان يسمعوا رأينا، نحن الذين لا نمثل منطقة جغرافية ترمز الى ثقل نيابي او انتخابي ضاغط ؟ رفقاؤنا باقة بنفسج منثور على امتداد الوطن، لا يصدر منهم إلاّ زكي الرائحة.

قد يتنبه مرشح لوجودنا، مهتمٌ بجمع الاصوات في مختلف الدوائر والاقضية من عكار وطرابلس الى الهرمل الى كسروان الى المتن الى بعبدا-عاليه الى الجنوب، فتجتمع قيادة الحزب وتؤيد او تمنع التأييد عن مرشح ما، ولا تظهر ثقتها الاّ بمن ترى فيهم الاصلح والانسب لخدمة الشعب، بقطع النظر عن الاسماء الكبيرة، حتى ولو لم يطلبوا التأييد. وكم من مرشح فوجيء باصوات رفقائنا تنصب لصالحه وهو لم يطلب منا التأييد. وكم من مرشح تحجب عنه اصوات رفقائنا رغم انه ضمن انها في جيبه.

ليس هناك من منطقة تسمى منطقة الحزب السوري القومي الاجتماعي لانه لا توجد قرية او مدينة او قضاء او محافظة فيها غالبية قومية اجتماعية. فلا خوف منا لجهة اعلان الانفصال عن اي كيان “نهائي” ولا خوف ان نطلب من منطقة مفترضة حماية دولة اجنبية، او أن نستعين بجهة اجنبية لفتح وتحرير مناطق الآخرين. فنحن نؤمن ان التحرير يسمى تحريرًا اذا تّم حيث يجب أن يتم.

ونحن خارج الحوار لأنه وبعد نشوء المحاصصة في الطائف وحتى قبل الطائف وقبل الحرب، لم يكن لنا صندوق خاص. لسنا طائفة ليعطى لنا صندوق مالي نوزع من خيراته على حاشيتنا. وهذا امر طبيعي، فمن لم تحترق يداه وهو يشوي كستناء المصالح الفئوية على جمر الوطن المحترق، لا يحق له ان يتذوق الكستناء. ولم يحدث ابداً ان سلمنا مالاً لصرفه على التنمية، فالمحصصات لا تعطى الاّ للنواب الكرام، لصرفها في مجال التنمية “المتوازنة” ونحن لا يؤمن جانبنا ونمثل وجها غير “شرعي” للصرف، والتجارة معنا في  هذا الشأن غير مضمونة النتائج، لأننا لا نشتري بالمخصصات اصواتًا تؤمن الفوز في الانتخابات القادمة. فما هي مصلحة الاقطاب يطلبون الدبس من مكان لا دبس فيه.

وبعد ايها السادة، فنحن خارج الحوار لاننا لسنا كيانيين، بل نحن الذين وفي كل مناسبة نؤكد ان سيادتنا استبيحت يوم قسمت بلادنا الى كيانات. هذه كانت صرخة انطون سعاده الأولى بعد انكشاف أمر حزبه للسلطات المنتدبة الفرنسية، وفي محاكمته امام اقواس محاكمها، وقبل ان يوجد كيان سياسي اسمه لبنان وكيان سياسي اسمه سورية وآخر اسمه العراق او آخر اسموه شرق الاردن لأن لا اسم له.

قبل ان يوجد هذا التشكيل من الكيانات كان انطون سعاده يضع مؤلفًا في علم الاجتماع البشري سماه “نشوء الأمم” طرح فيه مسألة علمية في تكوّن الامم وتطور مفهوم الامة ومعنى القومية والفرق بين المجتمع والدولة. ترافق هذا مع طرحه لفلسفة جديدة هي فلسفة الانسان المجتمع اشار فيه الى ان الشخصية التامة – الكيان التام هو المجتمع لا الفرد. لا يحاسب انطون سعاده على اعتراضه على نشوء الكيانات، لأنه لم يتنبأ بولادتها وشكلها، فهو ابن الدكتور خليل سعاده المطارد من قبل الاحتلال العثماني والاحتلال الفرنسي فيما بعد، ومن تفريخات السياديين الفرنسيين، ولم يكن ابن نوستراداموس ولا ابن ميشال حايك او سمير زعيتر ليستبق ولادة لبنان السيد الحر المستقل، ولا سورية ولا العراق ولا الاردن ولا اي كيان “نهائي”. كل ما كان واثقًا منه ان وطنه سيمزق ويقدم لقمة سائغة لليهود. وثقته كانت في محلها. ولا شك انكم سمعتم تباعًا، حتى من جلاديه- ومن الذين ساقوه الى الاعدام بهذا الجرم الشائن  – آيات الندم وصريف الاسنان ، لو كنا سمعنا … لما كان ما كان.

فما مصلحة الكيانيين المتحاورين في الاصغاء الى صوت سعاده من خلال حزبه يعيد على مسامعهم مساوئ الكيانية القاتلة لمصلحة المجتمع ومصلحة الحياة ومصلحة الكيانات نفسها. الكيانيون يشكلون الجزء الاكبر من المتحاورين، وهم يرون في عزل لبنان عن محيطه الطبيعي شفاء للبنان: وقد سمعتم المتنبي يقول:

اذا استشفيت من داء بداء        فأقتَلُ ما أعلّكَ ما شفاكا

ولأننا نعلن كحزب سوري قومي اجتماعي (انتفاضة)  اننا لسنا برسم الاستئجار من كيان ضد كيان آخر، ولأن لبنان لم يستطع استئجارنا خنجرًا ضد سوريا (الشام)، ولا سوريا الكيان استطاعت ان تستخدمنا خنجرًا ضد لبنان، لم يعد لنا مكان، خصوصًا في حالة التصادم الكياني. انه ليدمينا فعلا ان نرى هذا الشحن الكياني يجذب الملايين في لبنان ودمشق الى الشارع والى الساحات الرحبة، في الوقت الذي تضيق فيه طاولة مستديرة بصوت الوحدة الحياتية.

من كان ليصدق ان اوروبا التي فقدت سبعة ملايين من شبابها في آخر حرب عالمية، تتجه نحو الوحدة الاقتصادية- الجمركية- الثقافية في الاتحاد الاوروبي الجديد، ومؤخرا في برلمان اوروبي واحد موحد، في الوقت الذي تُغلَق فيه الحدود امام انتاج المزارع والصناعات في لبنان والشام ؟ من كان ليصدق ان يصير قرار باريس وبرلين واحدا في الصناعة والزراعة والجمارك والحياة البرلمانية. باريس التي دخلها هتلر مصرًا على المرور بجيشه الجرار تحت قوس النصر – رمز الانتصارات النابوليونية – وكأن نابوليون شيده ليكون قوساً لنصر هتلر، تتضامن مع برلين لمعارضة دخول الامريكان الى العراق، في الوقت الذي تزحف فيه جيوش عربية وتتسابق امام الاميركان لتقويض بغداد امام اقدام الاميركان ؟

نتذكر صوت سعاده: لا يعرف العار من لا يعرف الشرف … ويا لذل قوم لا يعرفون ما هو العار وما هو الشرف.

والآن أصدقكم القول، انه لكان من الاحراج لنا كحزب قومي، لو كنا داخل الحوار. فلو استعرضت معكم ما هو مطروح للحوار فيه، لاستوعبتم اكثر الحرج الذي كنا فيه.

المطروح على طاولة الحوار، ثلاثة انواع من المسائل: منها ما هو جوهري كالقرارات الدولية وما تستتبعه من مسائل، كمسألة سلاح المقاومة ومزارع شبعا، ومنها ما هو شكلي كالمحكمة الدولية في اغتيال الرئيس الحريري، ورئاسة الجمهورية، ومنها نوع ثالث يبدو شكليًا، ولكنه يخفي ابعادًا جوهرية كمسألة العلاقة بين الكيانين، اللبناني والشامي. وللاختصار، ابدأ بالامور الشكلية، ففيما يتعلق برئيس الجمهورية، فنحن لا يهمنا ولم يشغل بالنا في يوم من الايام الاسماء والاشخاص. ما يعنينا هو النهج في الحكم والبرنامج والرؤيا وطريقة التعاطي مع امور الدولة بشكل يظهر فيه رئيس الجمهورية مؤتمنًا على الدستور وتطبيق القانون الذي هو سقف الجميع.

لم نحرص في يوم من الايام على كسب ود رئيس من رؤساء الكيانات التي تتشكل منها الأمة، ولا نستطيع القول ان هناك رئيسًا هو صديقنا. لدينا ايها السادة كتاب هام جداً من مطبوعات عمدة الاذاعة في الحزب، اسمه “رسائل الى الملوك والرؤساء العرب”، وفيها تطّلعون على موقفنا من كل رئيس او مسؤول، اذا طالعتم فيه الرسائل الموجهة اليهم بالمناسبات والتواريخ. نقول في رسائلنا ما نراه في مختلف الامور بصراحة. لم تكن هذه الرسائل لانشاء صداقة مع مسؤول، ولكنها الموقف الذي لا بد من قوله لكي يفهم المسؤول اننا لسنا في جيبه، واننا نراقب انجازاته، واننا نقترب منه بقدر التجاوب الذي يبديه مع نظرتنا الى الحياة والسياسة والتربية والحكم والعدالة والمساواة والحرية، خصوصًا في المسائل الكبرى المتعلقة بالقضية القومية الاجتماعية والتي يتوقف على التزامنا بها، وجودنا كشعب اعلَنَتْ اكثر من جهة نيتها في سحقه وابقائه في الحضيض والحؤول دون نهوضه وعودته الى قوته وفعاليته. هذا وحده كان وما زال يحدد مدى قربنا او بعدنا من شخص الرئيس اي رئيس في اي كيان. فمن لديه وثيقة تثبت اننا كحزب كنا محسوبين في يوم من الايام على رئيس كيان، فليتفضل ويبرزه للملأ. نحن براغماتيون من هذه الناحية، ولسنا من المحابين ولا المسايرين ولا الموالين ولا الوصوليين، ولعل هذا سبب استبقائنا بعيدين عن المناصب والوزارات والنيابة. ولو شئت الذهاب ابعد من ذلك، لذكرتكم بأن هذا هو مأخذ الفريق الآخر الذي يحمل اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي علينا، لا بل هو مأخذنا نحن عليه. فالسياسة فن يخدم غاية، والغاية هي المهم لا السياسة، واذا مورست سياسة خارج حدود الايمان بالقضية التي جمعتنا في الحزب، بطل ان يكون هناك عقيدة واحدة وهدف واحد.

وفي المسألة الشكلية الأخرى، وفهمنا انه يمكن الوصول الى اتفاق عليها، مسألة المحكمة الدولية التي طلبتها الحكومة في اطار التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس المرحوم رفيق الحريري.

ان مجرد السعي وراء اية هيئة دولية او ذات طابع دولي، يثير عندنا سؤالاً: هل بلغت بنا بعد نيف وستين عامًا من الاستقلال وبناء المؤسسات في لبنان، قلة الثقة بانفسنا وبمؤسسة القضاء، ان نتطلع حولنا، فلا نتفق على تشكيل محكمة وطنية تستطيع البت في مسألة وطنية كقضية مقتل الرئيس الحريري؟ نحن لسنا ضد الاستعانة بالخبرات الاجنبية المتقدمة في مجال المختبرات المتخصصة في التحاليل الكيميائية وفحص الحمض النووي (DNA)، لكن الا نثق بقضائنا يصدر حكمًا ويدين مجرمًا. هذا ليس خللاً عاديًا في نظامنا (ولا اقول في الجهاز القضائي).

ونحن في تناول الشأن الدولي من حيث المبدأ، فان اكثر المسائل المطروحة على طاولة الحوار خطورة هي القرار الدولي 1559، وطرح مسألة وجوب احترام القرار الدولي حتى ولو كان على حساب قرارنا الوطني ومصلحتنا الوطنية. بقطع النظر عمن يريد ان يزيد كتابًا مقدسًا على كتابه المقدس الاصلي المنزل، فاني اسأل ضمير كل منكم : متى كان هناك قرار دولي يحمينا ويحمي مصلحتنا ويدعم قضيتنا ؟ الم يكن وعد بلفور قرارًا دوليًا ؟ الم تكن اتفاقات سايكس- بيكو السرية التي “تهز بدن” البعض حين يسمعنا نذّكر بها مثنى وثلاثًا ورباعًا قرارًا دوليًا ؟ الم يكن الانتداب الذي فرض علينا طبقة سياسية جرى تفقيسها وعلفها في باريس ولندن قرارًا دوليًا ؟ الم تكن معاهدة سان ريمو قرارًا دوليًا ؟ الم تكن معاهدة ارضروم الثانية التي خسرنا فيها الاحواز لإيران قرارًا دوليًا ؟ الم يكن قرار تقسيم فلسطين واعطائها لليهود قرارًا دوليًا ؟ الم يكن القرار 242 الذي لم تقدم الامم المتحدة تفسيرا واحدا له ليبقى “مبندقًا” قرارًا دوليًا ؟ الم يكن القرار 425 الذي “نتكابش” عليه: نفذ … لم ينفذ قرارًا دوليًا ؟ هكذا ال 1559 وال 1595 والحبل على الجرار.

فمن يرد ان يضيف كتابًا منزلاً على كتابه الذي يؤمن به، فها نحن ندله على عشرة كتب اخرى. اما بالنسبة لنا نحن، فنذكركم انه قبل ان يكون هناك اي من هذه القرارات. وقبل نشوء الامم المتحدة، اعلنا منذ انبثاق فجر النهضة عام 1932 اننا “لا نعترف لاية شخصية او هيئة غير سورية بحق التكلم باسم المصالح السورية الداخلية او الانترنسيونية” ولا في اية مسألة تتعلق بالامة السورية وما زلنا نحمل هذا الايمان الآن وكل اوان والى دهر الداهرين. نحن لا نرضى ان نسلم احدًا ممن حرمونا حقوقنا وارضنا ومصالحنا، السكين التي يجهزون بها على بقايا من وحدتنا الاجتماعية.

والمسألة الجوهرية الثانية التي وجد القرار 1559 من اجلها، هي سلاح المقاومة. ما نراه مستهدفًا هو روح المقاومة في شعبنا لا سلاحها فقط. السلاح الذي حمله حزب الله لم يوجه الى صدر لبناني، ولم يستخدم في حروب الطوائف وهذه ايجابية نسجلها له وننحني امامها. فما هو خطره على استقرار لبنان.

جوهرية هذه المسألة تقع في كونها نقطة تجاذب بين اتجاهين، اتجاه يعتبر ان الحرب مع اليهود لم تنته ولن تنتهي الا بالانتصار الاخير التام، واتجاه يعتبر ان الحرب مع اليهود انتهت، وان لبنان قام بواجبه تجاه المسألة الفلسطينية، ويجب ان نحجز للبنان كرسيًا في قطار التسوية.

وموقفنا في هذه النقطة هو اننا حتى ولو اعتبرنا فرضًا ان الحرب مع اليهود انتهت بالنسبة لنا، فهي لم تنته بالنسبة لليهود الذين ما زالوا يرفضون كل يوم الف مرة، رسم حدود نهائية للكيان الاغتصابي اليهودي (لنتذكر سبب اغتيال رابين، وتصريح ايهود اولمرت في التاسع من آذار 2006 بأنه وان فاز حزبه، سيطرح مسألة رسم حدود نهائية للكيان اليهودي ما يدل على اننا نصيب الحقيقة في هذا الزعم). لم يجرؤ احد من قادة الكيان اليهودي على اعلان حدود نهائية غير تلك المنصوص عنها في توراتهم – من الفرات الى النيل –  فإننا ولو سلمّنا ان المسألة منتهية من جهتنا، فهذا اتفاق جحا وأمه تنقصه موافقة الملك وابنة الملك.

“اسرائيل” تقول عبر آلاف رسائل اعلامها اننا نحن من يحتل ارض اسرائيل، اذهبوا الى الغرب وتأملوا ما دسّوه في ثقافة الغرب التاريخية والجغرافية والفلسفية والثيولوجية وما يكررونه على مسامع الغرب كله، في كل يوم.

نحن نرفض القرار 1559 ليس لانه مشروع فتنة فقط، بل ايضا لأن سيلفان شالوم كان قد وضعه ودفعه للجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الامريكي ومنظمة ال “الايباك” التي تضم اربعة وخمسين الف ناشط يهودي اميركي اصدقاء اسرائيل اكثر مما هم اصدقاء اميركا. فلنتأكد من خطوتنا التالية في ظلام هذا القرار قبل ان ننزله منزلة القداسة، لعلنا لو عرفنا اكثر عنه لتمسكنا بسلاحنا اكثر ولادركنا ان شعبنا كله يجب ان يكون مسلحًا ومحصنًا.

واختصر الكلام عن مزارع شبعا. فقد اصدرنا في حينه بيانات من عمدة الاذاعة والرئاسة الموقرة ولا حاجة للتكرار، ولكني أُجمل الموقف بالقول انني وكقومي اجتماعي، لا تهمني لبنانية المزارع او سوريتها، ما يهمني هو انها محتلة واتصرف هذا الاساس. كونها لبنانية لا يعفي الشام من مسؤولية تحريرها، واذا كانت سورية فواجب تحريرها يقع على لبنان ايضاً.

اما العلاقة بين الكيانين، لبنان والشام، لا بل أي كيانين، فنحن نرى ان هذه العلاقة يجب الاّ تكون خاضعة للظرف الآني، ولا من شعور الخوف او الاستقواء او العداوة الظرفية، بل تبنى على مبدأ المصلحة المشتركة فقط.

كان الحزب السوري القومي الاجتماعي، وفي عام 1932 (12 عامًا بعد اعلان دولة لبنان الكبير) اول من اعترف بوجود مسألة لبنانية مع كونه حزبًا وحدويًا في تطلعاته النهائية، الاّ انه واضح جدا في مسألة الكيان اللبناني، فنصّ كتاب المبادئ في آخر صفحة من صفحاته وفي شرح غاية الحزب، ان المسألة اللبنانية نشأت لمبررات جزئية كانت صحيحة حين كانت فكرة الدولة دينية. ولكن مبادئ الحزب اوجدت الاساس الاجتماعي-الحقوقي القومي، وبتحقيق هذه المبادئ تزول المبررات التي اوجبت انعزال لبنان.

اتهم انطون سعاده بعد عودته من الاغتراب القسري عام 1947 بالعداء للكيان اللبناني فأصدرت الحكومة اللبنانية مذكرة بتوقيفه في اوائل آذار 1947 لم تستطع على مدى ستة اشهر تنفيذها واعتقاله. انتهت الازمة بسحب مذكرة التوقيف بعد ان اوضح سعاده ان الكيان اللبناني هو وقف على ارادة اللبنانيين، وهذا يوضح ان ارادة الشعب اللبناني هي التي تقرر “نهائية” الكيان او اعتباره مؤقتًا، الى يوم تزول فيه مبررات نشوئه. نأسف ان نرى من يطعن الحزب في ولائه ووطنيته، وهو العامل من اجل وحدة الحياة على وحدة الارض، وهو الذي يترك للارادة اللبنانية حق قول كلمتها. نأسف ان نرى الكيانيين يريدون كيانًا – متراسًا لاطلاق العداوة من وراء حدوده على الآخرين. رأينا وبعد ازمة اغتيال الرئيس الحريري، كيف ان اغلاق الحدود، اغلق ابواب الارتزاق أمام الفلاح والصناعي في لبنان وفي الشام على حدّ سواء. من هنا نقول بوجوب الاّ تخضع العلاقة بين الكيانين للظرف الآني، بل للمصلحة المشتركة. فوحدة المجتمع هي قاعدة وحدة المصالح ووحدة المصالح هي وحدة الحياة. كل سياسة يتوجب ان تكون موافقة لهذه القاعدة.

لقد نبهنا اكثر من مرة، قيادات قوة الردع ابتداء من العام 1976 الى خطورة الممارسات التي يمكن باستمرارها ان تنسف اساس المبادرة الانقاذية تجاه لبنان، وارتباطه بمحيطه الطبيعي، وذلك عبر لقاءات مع القيادة وزيارات متكررة. كنا نرى في وجود الجيش الشامي في لبنان فرصة لالغاء المفاعيل السلبية لسايكس – بيكو لكنها للاسف لم تلق صداها الذي كنا نتمناه، وقد اعترف الرئيس الاسد بهذه الأخطاء بعد فوات الاوان.

مقترحنا حول مسألة الحوار، وبعد ان لمسنا كيف ان الطاولة اوقفت الشحن وسحبت الشارع من التداول، نقترح ان ينشأ في لبنان مجلس وطني دائم للحوار، يتكوّن من ألوان الطيف اللبناني بكل تنوعه (لا فرق ان يكون من الصف الاول او الثاني كما تدرج التسمية التصنيفية) تكون مهمته استشارية في المسائل التي تشكل خطرًا على الوحدة الوطنية، ويكون في نفس الوقت منبرًا ديمقراطيًا حقيقيًا لتفاعل الافكار والجهود.

يقولون ان القرار في لبنان توافقي (وهو شكل ديمقراطي مستحدث) لا يخضع للاكثرية والاقلية، وبتحقيقه تتحقق امور عديدة منها:

1-    يحيد الشارع ويترك للساعين الى ارزاقهم وارزاق عيالهم بدل اقفاله لدى كل خضة او خلل.

2-  يترك لمجلس الوزراء مهمة التنمية وهو ما هو مطلوب منه اصلاً وضمان عدم تعطيله بالاعتكاف والانسحاب وغيرها.

3-    يترك لمجلس النواب مهمة سنّ القوانين ومراقبة تطبيقها وتحصر صلاحيته في الشأن التشريعي.

4-  يكون اللبنانيون جميعًا مشتركين في المسؤولية الوطنية ووراء قرارهم الذي يتوافقون من اجله منطلقين من مصلحة لبنان العليا. ولا يحيَّد احد ولا يُتجاهل رأي.

ان ما نطرحه هنا، معمول به في الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يتضمن في مؤسساته على مجلس استشاري. فإلى الحريصين على الديمقراطية والمشاركة والانفتاح والتحاور نرفع هذا الاقتراح ولن يكون هذا جديدًا على النظام اللبناني، الذي أنشأ مجلسًا وطنيًا للاعلام ومجلسًا وطنيًا للسياحة، فلماذا لا يكون هناك مجلس وطني لما هو اهم من الاعلام ومن السياحة؟

واهم من ذلك كله، يشترك الخبراء في التنمية الاقتصادية، وفي الثقافة وفي العلاقات الدولية، بخبراتهم في هذا المجلس الوطني، ويعلو بذلك صوت العقل على الاصوات الموتورة التي تشد لبنان الى الهاوية، فنثبت بذلك للعالم اننا تعلمنا فعلاً من تجربة الحرب العبثية درساً كما تعلمت اوروبا واستفادت من تجربة الحربين الكبيرتين، ونثبت ايضاً غهماً للديمقراطية التي تغتني بالتنوع الفكري والمنطق التجريبي ويختفي تدريجياً دور التحريض التحريض الذي يكاد يقضي على بقية الحياة فينا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *