بيان الأول من آذار 2022

الحزب السوري القومي الاجتماعي​​

​رئاسة الحزب

بيان الأول من آذار 2022

«أيّها الرفقاء القوميّون الاجتماعيّون، أيّها المواطنون..

كان أوّل اشتراك قومي اجتماعي عام في ذكرى ميلادي أوّل أدلّة تولُّد وحدة الشعور في المجموع القومي الاجتماعي، وصار استمرار هذا الاشتراك عامًا بعد عام، البرهان القاطع على أنّ الوحدة الروحيّة بيني وبين رفقائي تزداد متانةً مع مرور الأيّام، وأنّ رابطة الجهاد القومي أصبحت أقوى رابطة تجمع القوميّين حول زعيمهم ليكافحوا معه كفاحًا تُهان فيه أجسادُهم وتعتزُّ به نفوسُهم». أنطون سعاده، خطاب أول آذار، 1943.

أيّها المواطنون والرفقاء،

في الأول من كلّ آذار ”يعود“ القوميّون الاجتماعيّون للتعبير عن هذه ”الوحدة الروحيّة“، وعن استعدادهم الدائم لطاعة العقيدة والنظام القوميين الاجتماعيين اللذين أوجدهما الزعيم صاحب العيد، فيحيون ذلك بالاحتفال بمولد فتى آذار، باعث النهضة، وباعث الوحدة الروحيّة في «الجماعة التي تحقّق فيها الوعي»، خميرةً لتعمّ في شعبنا السوريّ متى أدرك شخصيّته ووعى مصلحته فعمل لحياته الحرّة الكريمة.

في الأول من كلّ آذار، أنشأ القوميّون الاجتماعيّون تقليدًا جديدًا يرمز إلى انبثاق نور النهضة من ظلمة الويلات التي كانت سائدة في أمّتنا، بتنوير رؤوس الجبال والساحات العامة والطرق، تعبيرًا عن وضوح الرؤية وجلاء اليقين.

لكنّ الويلات لا تزال تنهال على أمّتنا، وتمعن في التفتيت والشرذمة بين أبناء شعبنا،…..

ففي فلسطين، ما زال شعبنا يقدّم التضحيات لتحرير أرضه من العدوّ، مجترحًا أمثولات رائعة في البطولة والفداء والجرأة والإقدام، رغم غطرسة العدوّ وجبروته وحقده الأعمى. فقد أدمن هذا الشّعب على بذل التضحيات مؤمنًا بعدالة قضيّته وانتصاره النهائي، ونخصّ بالذّكر صمود الأسرى وتضحياتهم. في الوقت نفسه فإنّنا ما زلنا نعاين الهوة التي تزداد بين المقاومين الذين يبذلون تلك التّضحيات وبين أصحاب الحلول التسووية المتبرّئين من أيّ أعمال سوى الحفاظ على ”التّنسيق الأمني“ مع الاحتلال، وكأنّه قدس الأقداس رغم استشهاد ثلاثة من خيرة شباب مقاتليها لأنّهم ساهموا مع المقاومين في أحد أنشطتهم دون الرّجوع إلى قيادتهم. هذا ”التنسيق“ حوّل أجهزة الأمن الفلسطيني، التي من المفترض أن تكون مهمّتها الأولى هي حماية شعبنا المقاوم في فلسطين، لتصبح ذراعًا متقدّمةً للاحتلال من خلال قيامها بعمليات الاعتقال والمصادرة للمقاومين وأسلحتهم كما حصل في جنين.. وما زاد في حالة الانقسام إصرار ”السّلطة“ على انعقاد المجلس المركزي لمنظمة التّحرير الفلسطينيّة، رغم اعتراض عددٍ من التنظيمات الفعّالة في الصراع ضدّ العدوّ، ليبقى السؤال هل يُعقد المجلس لإنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية أم أنّ هذه المصالحة يجب أن تتمّ قبل انعقاده لتكون من عوامل نجاح انعقاد المجلس، وما صدر عن الاجتماع يؤكّد أنّ المصالحة وتهيئة الأجواء بطرح برنامج وطني جامع للقوى الفلسطينية الفاعلة أهمّ من أية لقاءات تكرّس هيمنة هذه ”السّلطة“ على ”القرار الرسمي“ الفلسطيني اللاهث وراء المفاوضات العبثيّة التي لا تسمن ولا تغني عن جوع. وقد شاءت هذه ”السّلطة“ الاستفادة من قرار منظّمة العفو الدوليّة بوسم دولة الاحتلال بدولة التّمييز العنصري لتعطي لنفسها زخمًا وتأييدًا للعلاقات التي تقيمها هذه ”السّلطة“ مع المنظّمات الدوليّة وبعض الدّول في العالم.

كما أنّ الانقسام الفلسطيني قد حدا بدولة الجزائر لاستضافة وفود فلسطينيّة لعقد اجتماعات لبحث الانتهاء من هذا الانقسام، هذا الهدف الذي يؤرّق العدوّ مهما كان، وخير مثال على ذلك اعتبار ”إسرائيل“ أنّ التحالف بين ”حماس“ و”الجبهة الشعبية“ خطيرٌ جدًّا عليها عبر تأثيره على منظّمة التحرير، وزيادة دوره الفاعل في الداخل الفلسطيني في العمليات الفدائية ضدّ العدوّ، ومن المعلوم أنّ الجزائر تحظى باحترام كلّ المنظّمات والهيئات الشّعبيّة الفلسطينيّة لما قدّمته الجزائر من تأييد ودعم لجميع تلك المنظّمات والهيئات. وللاستدلال على هذا الاحترام، رحّبت كلّ المنظّمات الفلسطينيّة بالدّعوة كما كانت ترحّب بدعوات من دول أخرى من العالم العربي، وتبقى العبرة بتنفيذ ما يُتّفق عليه، لأنّ ما حصل من اتفاقات سابقة لم ينفّذ منها أيّ بند وإلّا لما استمرّ هذا الانقسام إلى هذه المدّة الطّويلة.

ولو رصدنا حركة ”فتح“ في سباقها مع ”حماس“ نحو تحسين علاقتها بالشام وحلّلنا أسباب مثل هذا السباق لعدنا إلى معادلة أنّ الشام ما زالت قادرةً أن تلعب دورًا أساسيًّا في عقلنة العلاقة الفلسطينية – الفلسطينية.. هذا كلّه في الوقت الذي يسعى فيه اليهود إلى دفن الحلم الفلسطيني، وفي سبيل ذلك العمل على حسم قضايا رئيسية في المدى المنظور وليس استمرار إدارتها فقط، ومنها وضع الفلسطينيين في الضفة وحسم وضع ”حماس“ في غزة، وتحويل الصراع لإحقاق الحقّ إلى حركة مطلبية تخضع للتفاوض في بازار السياسة الرخيصة.

نعود ونكرّر الدّعوة والنّداء للقوى الفلسطينيّة المناضلة المؤمنة بالكفاح المسلّح، الرّافضة لجميع أنواع التنازل عن الحقوق بوضع الخطة العمليّة التي تؤمّن استمرار هذه الكفاح حتى النّصر النّهائي فتكون التضحيات الجسام قد فازت بالحقّ.وما يعزّز الثقة في أصالة شعبنا، هذه اللمعات المقاومة التي نراها بشكلٍ يوميٍّ تقريبًا، سواءٌ في غزة والضفة، أو في الأراضي المحتلّة منذ 1948، تعبّر بوضوحٍ عن حقيقة الانتماء إلى أرضنا وشعبنا، رغم كلّ الظروف المحيطة، ومحاولات التهجير والتنكيل والتعذيب اليومي، غير أنّ هذه الأصالة تأبى إلّا أن تظهر في إباء وشموخ المصرّين على أنّ ”اليهود“ احتلال، وفلسطين ستعود لأهلها.

وفي لبنان، تزداد الأوضاع تأزّمًا وحرجًا إزاء ما نشهده من ظروف معيشيّةٍ خانقة وصلت إلى حافّة الانفجار الاجتماعي، فالأسعار ارتفعت مع ارتفاع سعر الدولار ولكنّها لم تنخفض مع انخفاضه، والبطالة ارتفعت إلى حدود غير معقولة. والمضحك المبكي ما آلت إليه عمليّة جلب حاكم مصرف لبنان إلى العدالة من تصادم بين جهازين أمنيّين، مما عقّد الأمر وبات حلّه يتطلّب معالجة تتكفّلها الألاعيب السّياسية المعتادة. وإزاء القضاء المسيّس لم تنته فصول التّحقيق في حادثة انفجار المرفأ، ولا الأحداث التي شهدتها منطقة الطّيونة. وما يزيد الطّين بلّة تساهل القضاء مع الذين تعاملوا مع العدوّ وانتشروا في العالم، فباتوا يدخلون إلى لبنان ويخرجون منه آمنين مسلّحين بجنسيّات أجنبيّة وخصوصًا الأميركانيّة منها، أو في حال القبض على بعضهم يطلق سراحهم بتبريراتٍ واهية، وتجاهلٍ فاضحٍ لخطورة أعمالهم، أمّا جوهر هذه التبريرات فهو التدخّلات الطائفيّة – خاصةً على أبواب الانتخابات إذا جرت – و”6 و6 مكرّر“ التي كانت أساسًا لنشوء كيان لبنان، وأبقته على حالته من الهجانة والاستلاب لكلّ القرارات الخارجيّة دون محاولة البحث عن مصلحة أبنائه الحقيقيّة.

وأهم ما يتمّ تداوله في هذه الأيّام موضوع ترسيم الحدود البحرية، لما يترتّب عليه من الحقوق اللبنانية في استغلال الثروات النّفطيّة والغاز. فإنّ المفاوضات قد بدأت تأخذ مجريات خطيرة مع بعض الاختلافات الدّاخلية التي ستفيد العدوّ، ممّا يتطلّب وعيًا لهذا المنزلق الخطير الذي سيُفقدنا بعضًا من حقوقنا. فبين متمسّكٍ بالخط 29، ومَن هو متمسّك بخطّ أدنى سنفقد ما كان قد أذيع عنه أنّه خطّ الحدود الخالصة للبنان. هذا دون أن نغفل أنّ موقف الحزب الأساسي في هذا الأمر ينبثق من «مصلحة سورية فوق كلّ مصلحة»، ما يعني أنّ مجرّد القبول بفكرة ”ترسيم حدود“ – حتى لو اعتبرناها مصطنعة – مع عدوٍّ غاصبٍ لأرضنا يشكّل شبه اعترافٍ بوجود هذا الاحتلال، وهو ما لا نقبل به، فإنّ اتصالنا بالعدوّ اليهودي هو «اتصال الحديد والنار بالحديد والنار».

يبقى لنا أن نرى ضوءًا مشعًّا يبعث الأمل للاستمرار في مقارعة العدوّ والتّصدّي له على صعيد الأعمال الحربيّة بما شهدناه في اختراق سماء فلسطين بمسيَّرة قيل عنها صغيرة، وبقيت تحلّق لأربعين دقيقة دون أن تستطيع وسائل العدوّ الغاشم إسقاطها أو التّحكّم بمسارها. وهذا ما يؤشّر إلى قدرة عالية للمسيّرات التي تملكها المقاومة. زد على ذلك ما طوّرته المقاومة في الصواريخ التي تربك العدوّ وتبعث في نفسه مخاوف هائلة ممّا يعدّل ميزان القوى، وخاصّةً في التأثير على الجبهة الدّاخليّة للعدوّ. وهذا ما ينحّي جانبًا ما جاء في الورقة التي حملها وزير خارجية الكويت إلى الحكومة اللبنانيّة واضعًا شروطًا تعجيزيّة تشكّل إعلان حرب من دول الخليج على لبنان. ولعلّ هذه الدّول لا تعرف أنّ القرارات الدّولية لا تنفّذها بحذافيرها إلّا الجماعات المقهورة والمغلوبة على أمرها والتي أُسقِط في يدها، تمامًا كما حصل معنا في ”مؤتمر الصلح“ بعد الحرب العالميّة الأولى، حيث رضخنا لتقسيمات سايكس وبيكو ولبنود معاهدتي لوزان وسيفر، وهذه المعاهدات ما هي إلّا تنفيذٌ لمخطّطات العدوّ الطامع بطردنا من أرضنا لتنفيذ وعد موهوم من ”إله“ دمويّ.

وبما أنّ النّظام اللبناني قائم على ”الدّيمقراطيّة التّوافقيّة“ الهجينة، فالأغلبيّة العددية لا يعود لها قيمة. وحده الثّلث المعطّل له الدّور الأبرز في تقرير المسائل الحسّاسة التي تستوجب الحصول على أكثر من الثّلثين. وناهيك عن ”موديل“ الميثاقيّة، حيث أنّ انكفاء طائفة عن التصويت يعطّل أهمّ المشاريع أو أدناها. بمعنى أن لا أهميّة كبرى للانتخابات. فلا أغلبيّة 14 آذار استطاعت أن تغيّر شيئًا ولا أغلبيّة 8 آذار استطاعت أن تحكم بالمطلق.

أمّا في الشّام، فحرب الاستنزاف تطال كلّ جوانب حياة المواطن اليوميّة، وسوء الإدارة الذي وصل إلى حدّ الكارثة في معالجة هموم الناس ومعاناتهم وتراجع أولوية الاهتمام بالملفّ ”السوري“، كلّها عوامل تزيد الطين بلّة.. فنشهد ركودًا سياسيًّا قاتلًا مع استمرار الأوضاع المعيشيّة الصّعبة. أضف إليها الإجراءات التّعسفيّة التي يقوم بها الاحتلالان الأميركانيّ والتركيّ في مناطق احتلالهما وسيطرتهما، ناهيك عن معاناة أهلنا في الجولان المحتلّ جرّاء محاولات العدوّ إقامة مستوطنات جديدة ومشاريع اقتصاديّة، فيصادر الأراضي ويروّع المواطنين هناك.

هذا الركود السّياسيّ يتمثّل بتوقّف العمليّة السّياسيّة لإنهاء الحرب وحلّ الأزمة، التي ستختتم عامها الحادي عشر في شهر آذار المقبل، تلك العمليّة اختصرت باللجنة الدّستوريّة التي جمّدت أعمالها شهورًا خلت. وأتى وصول المبعوث الأمميّ إلى دمشق ليعطي زخمًا جديدًا لعمل هذه اللجنة التي قد تجتمع الشّهر المقبل كما أفصح المبعوث الأمميّ منذ عدّة أيّام، وذلك عبر طرح سياسة الخطوة مقابل خطوة، ورفض دمشق له لما يحمل في طيّاته من خطر التنازلات المتتالية عن الدور السوري الفاعل المفترض للحلّ، لصالح تسلّلٍ واسعٍ لمنظّماتٍ وهيئاتٍ ”دولية“ لم تكن يومًا حياديّةً وصادقة في دفاعها عن الشعب ومصالحه بقدر دفاعها عن منظومة الدول وتمثيلها لمحصّلة توازن قوى هذه الدول.

أمّا الأوضاع المعيشيّة الصّعبة فمردّها بالإضافة إلى الحصار الجائر من قبل الدّول الغربيّة، أعمال الغشّ والاحتكار والفساد الإداري، وتغوّل منظومة الفساد التي تعمل على الاستثمار في الحرب، وتغلّبت على ”حيائها“ في مراحل استثمارها الأولى في ظروف الحرب، لتصبح من أدوات الحرب على الشعب في الشام ومن أسباب معاناته وتعاسته.. وتأتي الهجرة التي طالت أغلب جيل الشباب والإمكانات العلمية والاقتصادية والتجارية، لتحرم البلاد من الإمكانات الحقيقية التي يمكن أن تسهم في مشروع إعادة الإعمار الحقيقي، لتشكل – هذه الهجرة – تحدّيًا إضافيًّا لأصحاب الشأن، الباحثين عن حلول حقيقية لأزمات البلاد المتفاقمة والمتدحرجة ككرة الثلج..

ومازال الاحتلال الأميركانيّ في الشمال يستولي على الثروات الزّراعيّة، وعلى النّفط والغاز، ليستخدم مواردها في دعم الحركات الانفصالية في الشمال في أحد السيناريوهات المطروحة لتفكيك الدولة في الشام باسم ”الفيدرالية“ و”الحقوق القومية للأكراد“، ومما يزيد في معاناة شعبنا نقص الإمكانات التي تسهم في الحصول على حياة مستقرّة وصحيحة. وما يزيد الطّين بلّة هو تطوّع جزء من المواطنين بالقيام بهذا الحصار تحت ذرائع واهية تتعلّق، بنظرهم، بحرمانهم من بعض الحقوق، ليرتموا في حضن الأجنبي ضدّ أبناء وطنهم. يضاف إلى ذلك عمل الأمريكان على تسهيل هروب المئات من عناصر داعش الإرهابيين من أحد السّجون في محافظة الحسكة وانتشارهم في البادية وجوار حلب وإدلب، في إطار الجهود لإحياء داعش من جديد لتبرير تجديد التواجد الأميركاني بادّعائه محاربة الإرهاب.

أمّا الاحتلال التّركي فما زال يستمرّ بأعمال التتريك في المناطق التي يسيطر عليها بغية ضمّها إلى تركيا عند انتهاء معاهدة لوزان السّنة القادمة، بحجّة أنّ هذه المعاهدة قد سلخت من تركيا المناطق الشّمالية من الشّام والشمالية الغربية من العراق. بالإضافة إلى تدعيم قواته والعصابات الإرهابية لتتمكّن من مجابهة الجيش الشّامي وحلفائه في حال قرّر ذلك الجيش تنفيذ حملة عسكريّة لإعادة سلطة الدّولة في تلك المناطق. كما أنّه يقوم بعمليات عسكرية ضدّ قوات ”قسد“ بين الحين والآخر تتسبّب بسقوط الضّحايا وتشريد المئات من المواطنين.

أمام هذا الواقع المأزوم من جميع جوانبه، نعود ونجدّد التذكير بما طرحناه سابقًا تحت عنوان ”هذه رؤيتنا“.. هذه الرؤية التي ما تزال بعناوينها العريضة هي المدخل للحلّ ولامتلاك أسباب القوّة الحقيقيّة التي تمكّننا من تجاوز معاناتنا والعودة إلى الموقع الذي يليق بشعبنا ووطننا.. واليوم، وقبل أيّ خطوةٍ أخرى، فالبلاد تحتاج إلى حكومة إنقاذٍ حقيقيّة تبدأ الخطوات الإسعافيّة السريعة التي تكون وجهة بوصلتها الشعب ومعاناته اليومية، فتبدأ بالعلاجات الإسعافية اللازمة.. وبالتوازي، تحوز الأهمية ذاتها ضرورة العودة لتصحيح مسار الحلّ السياسي وإعادته إلى قواعده الصحيحة القائمة على الإصلاح، أمّا الاكتفاء بما مضى من مسار فيعتمد في خطواته على عنعنات الدول ومصالحها وخططها عبر البحث عن توافقات وصفقات لم ولن تحصل..

وفي العراق الغارق في أتون نتائج الانتخابات العرجاء التي حصلت هناك، حيث لم تثبّت هذه النّتائج إلّا بقرار من المحكمة العليا التي أوصت بالعدّ اليدوي في الانتخابات المقبلة، وأقرّت العدّ الإلكتروني الذي اعتُمد في الانتخابات التي أجريت مؤخّرًا. ومن العجيب والغريب أن تكون الانتخابات في العراق بينما ”خادم“ الجهاز الإلكتروني (السيرفر) في دولة الإمارات وبإشراف المراقبين الدّوليين، يا لنزاهة هذه الانتخابات! ويا لصدقية المحكمة العليا التي أوصت بشيء وقرّرت ما يناقضه. هذا كان الفصل الأوّل. وبالطّبع سيتبعه فصول أخر. الفصل الثّاني كان انتخاب رئيس المجلس النيابي والذي لم يقرّ إلّا عن طريق المحكمة العليا أيضًا. والآن نشاهد الفصل الثّالث المتمثّل بانتخاب رئيس الجمهورية. وقد تمّ الاستعانة بالمحكمة العليا لتثبيت عدم شرعية ترشيح السيّد زيباري لتولي الرئاسة. بانتظار الفصل الأخطر والأهم ألا وهو تحديد الكتلة الأكبر في البرلمان ليتمّ تشكيل الحكومة صاحبة السّلطة التنفيذيّة في ”الدّولة“.

تجدر الإشارة إلى أنّ هناك أمرين يشغلان العراق بالإضافة إلى الانتخابات ونتائجها، الأوّل: الوساطة التي يقوم بها بين إيران والسّعودية. والثّاني: معاودة نشاط الدواعش المهرَّبين أميركيًّا من سجن ”قسد“ في الشّام. في الموضوع الأول سُرّبت أخبارٌ عن حصول أربعة لقاءات، وكان اللقاء الأخير غيرَ موفّق، وهذا ما تُرجم باشتداد المعارك في اليمن مؤخّرًا مع اشتراك قوات ”العمالقة“ بإمرة دولة الإمارات، وانعكاس هذا الأمر بالمسيّرات التي ضربت كلًّا من أبو ظبي ودبي. أمّا ما يتعلّق بالموضوع الثّاني، فلا يمرّ يومٌ دون أن نسمع عن نشاطات داعش المتزايدة على “الحدود” بين الشّام والعراق، وفي الداخل العراقي أيضًا. ويجهد كلٌّ من الجيش العراقي و”الحشد الشّعبي“ لملاحقة هؤلاء الإرهابيّين. وتتّخذ الولايات المتّحدة الأميركانيّة من هذه النشاطات ذريعةً لإبقاء قوّاتها في العراق رغم المسرحيّة التي اتّفقت فيها مع الحكومة العراقيّة على تحويل القوّات الأميركانية من قوّات مقاتلة إلى مستشارين لمساعدة الجيش العراقي.

أمّا الأردنّ فالمستجدّ الأخطر هو تحوّله إلى قاعدة أساسية للتواجد الأمريكي في المنطقة عبر العديد من القواعد التي فاقت العشرة، وأهمّها قاعدة الملك عبد الله التي أصبحت قاعدة أمريكيّةً بامتياز، كخطوةٍ استباقيّةٍ في عملية إعادة الانتشار الأمريكي في المنطقة تحت مسمّى ”الانسحاب“، في إشارةٍ واضحةٍ لدور الأردنّ المستجدّ في المنطقة، يضاف إلى موقعه الذي يجعله أسير التّجاذبات الإقليميّة، جاهدًا للحفاظ على الأمن الدّاخلي مع ما شهده من تحرّكات شعبيّة للتّخلّص من اتفاقية الغاز التي أبرمتها الحكومة الأردنيّة مع العدوّ الغاشم. كما أنّ أزمات البرلمان الأردني والفوضى العارمة وتبادل الشتائم والعراك بين أعضائه تزيد التشكيك في القدرة على التغيير السياسي، وتزيد القلق والمخاوف الشعبية على مستقبل البلاد.. ما دفع إلى ”دسترة“ سلطةٍ ”جديدة“ باسم مجلس الأمن القومي الذي يقضم أهمّ صلاحيّات الحكومة ويدير أغلب ميزانية الدولة وبرئاسةٍ مباشرةٍ للملك عليه.. ليكون سلطةً فوق محاسبة البرلمان له.

هذا الوضع الداخلي المأزوم، مضافًا إليه دور ”إسرائيل“، التي ”تلاعب“ الأردنّ في قضايا حساسة كالمياه والاستيطان والأمن، ما يجعل الإدارة الأردنيّة في إحراجٍ شديدٍ بسبب رهانها على ”إسرائيل“ في حلّ بعض أزماتها الداخلية، لزيادة شعبية السلطات الحاكمة هناك.. هذا المشهد ككلّ يشكّل مجموعة عوامل داخليّة وخارجيّة ضاغطة على الحال الأردني، ويمنعه من لعب دور إيجابي في أيّ من مسائل الأمّة المصيرية.. بل يجعله خاصرةً رخوةً تزيد الصعوبات على شعبنا في سبيل تلمّس خلاصه.

والكويت، ورغم مواقف مجلس الأمّة الكويتي المقاومة للسياق الذي يسود في دول ”مجلس التعاون الخليجي“ في العلاقة مع العدوّ، والرافضة لما يُسمّى ”التطبيع“، بالإضافة إلى مواقف عامّة وعلنيّة من أبناء شعبنا في الكويت، ليس أولها، ونأمل ألّا يكون آخرها، رفض لاعب التنس الكويتي الحدث (دون 14 عامًا) محمد العوضي الدخول في مباراةٍ مع لاعبٍ يهودي، إلّا أنّ القرار السياسي أصبح شبه مرتبطٍ بقرارات ”مجلس التعاون الخليجي“ وما يشوبها من مطامع شخصيّة لحكام هذه الدول، بالإضافة إلى ارتهانها للأميركي الذي يستغلّ مواردها ليحقّق مطامعه في السيطرة، بالإضافة إلى أهداف اليهوديّة العالميّة في السيطرة السياسيّة والماليّة على العالم تحقيقًا لوهم ”شعب الله المختار“.​وتبقى قبرص والأهواز وسيناء والإسكندرون وكيليكيا رازحةً تحت السيطرة الغريبة، تنتظر يقظة شعبنا إلى مصلحته فتعود ”دويلات“ أمّتنا وأراضيها السليبة لتدور على محورها الطبيعي.

إنّ الحالة التي تمرّ بها أمّتنا تستدعي منّا البحث والدّرس العميقين لواقعنا على كافّة الصّعد والميادين، لما نشهده من تشرذم وتفكّك يبعثران قوانا في اتجاهاتٍ متناثرة، فيضيع الجهد الصالح بضدّه الطّالح، فنصبح أسرى الدّوران في حلقات مفرغة تزيغ نظرنا وتفقدنا التّوازن المطلوب في الصّراع. فمقاربة هذه الحالة لا يمكن أن تعطي ثمارها الطّيّبة دون البحث على المستوى القوميّ الشّامل الذي يحدّد الإمكانيّات البشريّة على أرض الوطن والإمكانات الطبيعيّة في باطنها مياهًا ويابسة. ليتسنّى لنا وضع الخطّة الاستراتيجيّة الكفيلة بتحقيق مصلحتنا القوميّة العليا في مجابهة الأخطار المحدقة بنا وليس أقلّها الخطر اليهودي الجاثم على صدورنا في الأراضي المحتلّة. وهذه الخطة تبدأ بالتنسيق بين ”دويلات“ الأمّة التي اصطنعها الاستعمار لخدمة أطماع العدوّ، فتستعيد بعضًا من حيويّتها لتتمكّن من الوقوف في وجه المؤامرات التي لم تفتأ تزيدنا شرذمةً وتفتيتًا.

ومن هنا لا بدّ من أن ننظر إلى الحالة بمنظار مختلف عن المألوف في تجارب جرّت علينا الويلات، تلك التّجارب التي اعتمدت المنظار الضّيّق المبني على المصالح الضّيّقة التي تؤمن مصالح أفراد أو جماعات ولم ينل منها الشّعب سوى المهانة والخذلان. فلا مشاحة بأنّ مختلف كيانات الأمّة تعاني المصائب عينها التي كابدتها منذ عدّة قرون وبرزت بشكل واضح مع بداية القرن الماضي لترافقه مع بداية غرس الكيان اليهودي الغاصب على أرضنا. فنجد المفاهيم عينها التي تطال بنيان الدّولة في القضاء والسّياسة والاقتصاد والمال والقوى المسلّحة والحقوق والواجبات وغيرها من شؤون الحياة العامة. إضافة إلى تفشّي الفساد والمحسوبيّة والوشاية المتوارثة من الحكم العثماني البغيض الذي تربّع على صدر هذه الأمّة أربعة قرون بإسهام تلك الموبقات التي تكفّلت بإطالة عمره. وما يؤسف له هو التّهاون في التّصدّي لعودة محاولاته تكرار هذا الأمر في المناطق التي تسيطر عليها قوّات ”الطيّب“ رجب أردوغان وأعوانه من إرهابيّين أُحضروا من مختلف أصقاع الأرض إلى شمال الكيان الشّامي قديمًا وحديثًا.

ولا شكّ بأنّ الخلاص من هذه الويلات يكمن في ما أعلنه صاحب الذّكرى، في العقيدة القوميّة الاجتماعيّة التي جاءت بالمبادئ الأساسيّة والإصلاحيّة التي شكّلت القضيّة القومية الاجتماعيّة الواحدة. بهذه المبادئ تمّ تحديد هويّة الأمّة وتحديد وطنها ووحدتها الاجتماعيّة وسموّ روحيّتها وتاج أعمالها بتحقيق مصلحتها التي هي فوق كلّ مصلحة، وكذلك أمّنت السبل لرفع سويّة حياتها بفصل الدّين عن الدّولة ومنع رجال الدّين من التّدخّل في السياسة والقضاء القوميّين وإلغاء الحواجز بين مختلف الطّوائف والمذاهب، وإلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج وإعداد جيش قويّ يكون ذا قيمة فعليّة في تقرير مصير الأمّة والوطن. فبهذه العقيدة شُقّت الطّريق لتحيا سورية.

أمّا العالم العربي، فما زال يتخبّط بالمشاكل السّياسيّة التي اجتاحته مع ما سمّي بالربيع العربي. وزادت مشاكله باعتماد سياسة المحاور بين دوله ومع الدّول المجاورة. فالحرب على اليمن ما زالت مستعرة واتّخذت منحى خطيرًا عندما ردّت القوات اليمنية على دولة الإمارات بغارات المسيّرات وبالقصف الصّاروخي. والوضع في ليبيا عاد إلى التّأزّم بعدما لاحت بوادر للحلّ أواخر العام المنصرم، فبتنا أمام رئيسَي حكومة لحكومتَين منفصلتَين واحدة في شرق ليبيا والأخرى في غربها. وتونس ما زالت تتخبّط بالخلافات بين الرئيس الذي حصل على أغلبيّة ساحقة في الانتخابات والطبقة السّياسيّة السّابقة التي عاثت فسادًا في الدّولة وأوصلت البلاد إلى حافّة الانهيار. والسّودان الذي وُعد بالمنّ والسّلوى في حال الشّروع في تطبيق ”التّطبيع“ مع الكيان اليهودي الغاصب في فلسطين، ما زال في حالة الفوضى بين مجلسَي حكم واحد عسكري وآخر مدني. وآخر تداعيات الخلافات العربيّة ما حصل بين المغرب والجزائر من خلاف أدّى إلى قطع العلاقات الدبلماسيّة بين البلدين، وكان لـ”تطبيع“ العلاقات بين المغرب ودولة الاغتصاب في فلسطين الأثر البالغ في هذا التّوتّر بين البلدين.

كلّ هذا الواقع في عالمٍ مضطربٍ لا نحصد منه إلّا المزيد من الخسارات، فصراع العمالقة المتأجّج على حدود الاتّحاد الرّوسي مع أوروبا، سببه خشية روسيا من تمدّد حلف النّاتو بغية تطويقها، وهي ترغب بأن تضمن عدم ضمّ أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي وإخراج الدّول المجاورة التي انضمّت إلى الحلف بعد العام 1998، رغم التّعهّد السّابق من النّاتو بعدم ضمّ هذه الدّول إلى الحلف. وحسم هذا الصراع سيؤمّن تثبيت العلاقات الدّولية على هذا الأساس، فإمّا تكرّس القطبيّة الأحاديّة للولايات المتّحدة الأميركيّة أو تكرّس التّعدّدية القطبية بين الاتّحاد الرّوسي والولايات المتّحدة الأميركيّة والصّين الشّعبية التي تتحضّر لمعركتها بعد معركة الرّوس. فنحن شهدنا التنسيق الكامل بين روسيا والصّين الذي تجلّى بزيارة الرئيس الرّوسي للصّين عند افتتاح الألعاب الأولمبية الشّتوية والإعلان عن اتفاقات سياسيّة واقتصاديّة تحالفيّة ما أدّى لموقفٍ صينيٍّ علني يعتبر مخاوف روسيا الأمنية عقلانيّةً ومشروعة.. هذا الصراع الذي حصدنا منه حتى الآن هجرة عشرات الآلاف من اليهود إلى فلسطين.. وسيجعل من ملفات المنطقة أوراق مساومة في لحظة الجلوس إلى طاولة المفاوضات.. فالحرب في أوكرانيا من المتوقّع أن تطول وعلينا الاستعداد لها ووضع خطط مواجهة عواقبها، ومنها الاقتصادية على أقلّ تقدير، وعدم الركون لمقولة أنّ هذه الحرب ستزيد الدعم الروسي لبلادنا، فروسيا تتوقّع استمرار التنسيق العسكري مع إسرائيل بشأن ”سورية“ رغم استيائها من التصريحات ”الإسرائيلية“ بشأن الأزمة الأوكرانية… كذلك أمريكا التي أعلنت أنّه ليس هناك تغييرات في آليّة تفادي التضارب مع روسيا بشأن ”سورية“.. ما يشير، حتى هذه اللحظة، إلى أنّ الشام لم تتحوّل لتصبح أحد مناطق تصفية الحسابات رغم المعلومات المتسرّبة عن استعداداتٍ عسكريّةٍ واسعة من الفصائل المسلّحة في إدلب الخاضعة لتركيا، فإن أيّة محاولات لفتح جبهات قتال في تلك المنطقة لن تكون في صالح استثمار تركيا لهذا التصعيد، إنّما يجعلها ورقة تفاوضٍ ومساومةٍ مستقبليّة.

هذا الصراع يتقاطع بالكامل مع الموضوع الثّاني الذي يشغل العالم وهو الملف النّووي الإيراني، الذي قطع شوطًا بعيدًا على طريق الحلّ، حيث حُسمت معظم النقاط العالقة وبقيت تنتظر قرارًا سياسيًّا من الطرفين. ولكن جرى بعض التباطؤ في الانتهاء منه نتيجة ما يحصل اليوم في أوكرانيا، لانشغال كلٍّ من روسيا وأميركا هناك، فلدى روسيا علاقات ودّيّة مع إيران، مما حدا بإيران تأخير ما هو مطلوب منها بناءً على طلب روسيّ، وأميركا بدورها أخّرت ما هو مطلوب منها.

وللموضوعين تأثير كبير على سير الأحداث في بلادنا، وخاصّة في الكيان الشّامي، لما يربط هذا الكيان من علاقات وثيقة مع كلّ من إيران وروسيا، فهما البلدان اللذان انغمسا إلى أبعد الحدود في الحرب على الإرهاب. وكان لهذا الانغماس الأثر الواضح في تمكّن السّلطة في الشّام من السّيطرة على الجزء الأكبر من البلاد. وفي المقابل نجد أثر هذه العلاقة الوثيقة في الركود السّياسيّ المسيطر على الكيان.

ويبقى مقياسنا لكلٍّ من الحدثين الأبرز خلال الفترة الماضية هو مقدار اقتراب كلّ من إيران وروسيا من قضايانا القومية، ومنها صراعنا ضدّ ”إسرائيل“، واعتداءاتها المتواصلة، ومواجهتنا المفتوحة مع الغرب، ومواجهتنا للمخطّطات التركية لاقتطاع مساحاتٍ جديدةٍ من أرضنا عبر دعم الفصائل المسلّحة ومحاولات التتريك لمناطق واسعة من الشمال ”السوري“.. ومن الوجود الأمريكي في الشمال ومشاريعه فيه.. وبناءً على الأجوبة المستخلصة نقيس، ونعمل مستثمرين الفرص وأوضاع المواجهة بين الدول الكبرى لانتزاع حقوقنا القومية..

أيّها المواطنون والرفقاء،

قال سعاده في مقالة ”امتطاء العموميّات إلى الخصوصيّات“ (الزوبعة، العدد 68، 15 تشرين الأول 1943): «إنّ قضيّة النهضة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة هي قضيّة نهوضٍ بالأخلاق والمناقب قبل كلّ شيء.. إنّنا لا نفرح بنموّ الحزب القومي الاجتماعي إلّا حين ينمو بالعناصر الكبيرة الهمّة، القويّة الروحيّة التي ترجو فلاح الأمّة قبل فلاحها الخاص. هذه العناصر التي تبذل نفسها في سبيل العقيدة والقضيّة تجد من الأمّة تقديرًا وتخليدًا».

لقد أعلن سعاده أنّ سبب الويل الجاثم على صدر أمّتنا هو فقدان الوجدان القومي، وعند الدخول في تفاصيل حالة كلّ كيانٍ من كيانات أمّتنا نجد أنّ ”الفلاح الخاص“ هو السائد بين مواطنينا وأبناء شعبنا، فيسهل عنده الانحدار الأخلاقي والمناقبي، وينتشر الفساد في الإدارة والسياسة والقضاء والتعليم و… كلّ مظاهر الحياة التي يُفتَرَض أن تكون وسيلةً لحماية ”فلاح“ الشعب ومصلحته، لكنّها تسقط إذا لم تكن النفوس محصّنةً بالعقليّة الأخلاقيّة المدركة لحقيقة وجود الفرد إمكانيّةً فاعلةً لمصلحة أمّته وعزّ شعبه.

أيّها القوميّون الاجتماعيّون،

لقد تعاقدنا مع الزعيم صاحب الدعوة بعد اقتناعنا بالمبادئ واعتناقنا لمصلحة سورية. هذه المصلحة تستدعي أن نتّجه إلى ”الجهاد المنظّم“ الذي لا يستثني أيّ إمكانيّةٍ من هذا الشعب «والأمّة في محنتها العظيمة تطالب جميع أبنائها بدمها، والقوميّون الاجتماعيّون يجب أن يعلموا أنّ دماءهم وقْفٌ على شرف أمّتهم وفلاحها وعزّها. إنّ دماءهم رهن لا يفكّ إلّا بحريّة سورية وسيادتها ورفعتها». (سعاده، ذكرى التأسيس العاشرة). انطلاقًا من هذا الإدراك أطلقنا في آذار الماضي مبادرةً لوحدة القوميّين الاجتماعيّين لا تزال تنتظر إقبال المتعاقدين مع الزعيم لتحقيقها، وانطلاقًا من هذا الإدراك أيضًا نحتمل الصفعات واللطمات، لكنّا لا نتغافل عن الأخطار الداخلية والخارجية، رغم قساوة الظروف وخطورة المحنة.

وهنا قد يتساءل الواحد منا «ما أنا بفاعلٍ في مواجهة القوى العظمى والأحوال القاسية وانشغال أبناء شعبنا بلقمة العيش؟» فنجد الجواب عند المعلّم القدوة، صاحب العيد: «ليس هذا الوقت وقت السؤال: إذا مشيت أنا من يمشي معي؟ ليكن لنا قدوة في الزعيم الذي مشى في الحقّ ودعا إلى الحقّ وشقّ الطريق للّذين تبعوه في الحقّ! كلّ من مشى في الحقّ قبل أن يمشي الكلّ صار قدوة ومعلّمًا. لا يوجد شعب في العالم ينهض كلّه دفعةً واحدة، بل تنهض الشعوب بقدوة الرجال الذين يعبّدون طريق الإيمان والثقة وصدق العزيمة بإقدامهم وبذْلهم كلّ ما يستطيعون، ماديًّا ومعنويًّا». (سعاده، ”الوطنية والأريحية في المغترب“، الزوبعة، العدد 63، 1 تموز 1943).

إنّ انتصار الفكر السوري القومي الاجتماعي في زمن ما يسمّيه البعض ”زمن سقوط العقائد“ يقدّم لنا الفرصة التاريخية التي لن تكون سانحة في كلّ الأوقات لانتصار الحركة السورية القومية الاجتماعية… وفي الوقت الذي يظهر ذلك عند البعض أنّه سباحةٌ عكس التيار، يصارع الحزب السوري القومي الاجتماعي متسلّحًا بعقيدته وبقدرته العملية على ترجمتها خطابًا واقعيًّا مواكبًا وخطّةً عمليّة قابلةً للتطبيق.​

أيّها المواطنون والرفقاء،

​قد يظنّ الواحد منّا أنّ ما نمرّ به اليوم هو أصعب ما يمكن أن يمرّ به شعبٌ من الشعوب، غير أنّ العودة إلى درس تاريخ الأحداث في أمّتنا يُظهر لنا مدى ما عاناه شعبنا من ويلات ومصائب ربما تكون ذروتها في إعلان قيام دولة الاغتصاب في جنوبنا، مع ما سبق ذلك وتلاه من أحداثٍ وحروبٍ ومؤامراتٍ لم تبقِ ولم تذر، إلّا أنّ شعبنا استطاع، وعلى مرّ السنين أن يقاوم هذه الويلات، ولنا من شبابنا المولود في الأراضي المحتلّة منذ عام 1948 مثالٌ حيٌّ على العنفوان الذي يتّخذ الحقّ منارةً فيسير في دربه غير آبهٍ بالظلام.​

ولأنّنا «نؤمن إيمانًا تامًّا بأنّ الروح المتولّدة من مبادئنا ستنتصر انتصارًا نهائيًا وتتغلّب على جميع الصعوبات الداخلية وإذا كان ذلك يحتاج إلى وقت فذلك لأنّ الوقت شرط أساسي لكلّ عمل خطير» (سعاده، خطاب الأول من حزيران 1935). ندرك جيدا الفرق بين هذا وبين الانتصارات الهزيلة التي يسجّلها البعض. فالانتصار الذي علّمنا إيّاه سعاده، ونعمل على تحقيقه بالصبر والاحتمال «ولكننا نقدر حين لا ينفع الصبر على الانتصار بوسائل أخرى» (نداء الزعيم إلى الأمّة السوريّة، 31 أيار 1939) و«متى انتصرت النهضة السورية القومية الاجتماعية انتصارها النهائي نشأت أجيال سورية جديدة بمناقبها وأخلاقها وحلّ التقدير والاحترام والمحبة للحقوق والرجولة والحرية محل الاحتقار والازدراء والكره…» (سعاده، “جيلنا الحاضر”، “الزوبعة” العدد 75 في 15 حزيران 1944).​

بهذا الإيمان نحيا «الوحدة الروحية» في الأول من آذار هذا العام، مصمّمين على تحقيق النصر الأخير بنهضة أمّتنا وسيادة شعبنا.​​​​​​​​​

فتحيا سورية حياة سعاده​

المركز في الأول من آذار 2022​​​

رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي

​​​​​​​​​الرفيق الدكتور علي حيدر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *