في الذكرى الخامسة لوفاة الرفيق د. أنطوان أبي حيدر

في مثل هذا اليوم منذ خمس سنوات توفّي رئيس الحزب السابق الرفيق الدكتور أنطوان أبي حيدر. وقد اخترنا في هذه المناسبة أن ننشر نموذجًا من توجيهاته الإدارية التي تشكّل، مع مهامه الحزبية اليومية وبيانات الرئاسة الموقّرة، عملًا بنائيًّا هادئًا طويل الأناة مارسه الرفيق أنطوان في حياته، فكان ذلك مَعينًا لكلّ رفيق صراعيّ يهتمّ بالبناء ويهمل القيل والقال الذي يجرّ أصحابه نحو السقوط ويعرقل سير الحزب.

البقاء للأمّة والخلود لسعاده

في 15 كانون الثاني 2022
عميد الإذاعة
الرفيق إيلي الخوري

توجيهات الرئيس د. أنطوان أبي حيدر في اجتماع هيئات المنفّذيات في 4 آب 1974*

قصدنا من هذا الاجتماع البحث الحثيث الرائد المستهدف كيفية الوصول إلى تحسين العمل الحزبي بشموله وكلّيّته في مختلف المناطق. وهذا يتمّ بتبادل الآراء الرصينة المدروسة حول الطرق المؤدّية إلى هذا التحسين.
البحث في تحسين أوضاع العمل الحزبي هو أمر مستمرّ عادي تمامًا للّذين يفقهون أسس وغايات العمل في حركة كحركتنا.
ولا يجوز أن يُحمَل مطلقًا على محمل افتراض الأوضاع السيئة حتى نعمد ونبادر إلى البحث عن طرق تحسينها.
كلّ بحث نزيه في أمر ينطلق من نسبة هذا الأمر بعرضه على المقاييس المنبثقة من نظرة واضحة إلى الحياة يصدر عنها المؤمن الباحث في كلّ ما يبحث.
فإذا كنا نعتبر أنّنا في عملنا نبحث أبدًا عن تحقيق الأفضل فالأفضل في صراع حياتي مستمرّ، فهذا يعني أنّ كلّ حالة، حتى وإن كانت تمثّل لنا حالة حسنة مقبولة، فإنّما يصبح حتمًا وانطلاقًا من تعبيرنا عن حقيقة نفسية الأمّة المصارعة الرائدة لتحقيق الحياة مُثُلًا عليا وقيمًا فضلى في طريق صاعد أبدًا، هذه الحالة تصبح نسبيًا حالة يجب العمل للانتقال منها إلى حالة أفضل. كلّما بلغنا في مسيرتنا الحياتية قمة امتدّت بنا إرادتنا وقدرتنا إلى قمم أعلى نحن جديرون ببلوغها.
ومن حيث أنّنا لسنا من الداعين ولا من المستسيغين للأسلوب السلبي في البحث المنطلق من التشاؤم وتسجيل الهفوات والثغرات في العمل للمبادرة إلى النقد والتجريح ونعي سوء العمل والمصير.
ثم يحاول الباحث بعد كلّ هذا الانحدار في مهاوي الانغماس في ما هو سيّء وباطل بحثًا وتسجيلًا ونقدًا، يحاول الارتفاع إلى سوية العمل النهوضي.
نحن من دعاة الأسلوب في البحث الذي يأبى هذا الانحدار، متعرّجًا كان أو مستقيمًا، إلى مهاوي الباطل، وإن كان ذلك حسب زعم الزاعمين في سبيل معرفته لمحاربته.
فهذا أمر لا يتوافق قطّ مع منطلقاتنا ومفاهيمنا. إذًا لا يوجد تحديد معيّن مطلق ومواصفات معيّنة لها صفة الديمومة تساعدنا في التمييز وإطلاق صفة الباطل على أمر، وصفة الحقّ على أمر آخر.
فالحقّ هو انتصار في معركة إنسانيّة مستمرّة في هذا الوجود وليس خارجه. ولولا انتصار الحقّ لما عرف الباطل الذي يمثّل الاندحار والانزهاق في المعركة الحياتية المستمرّة. وكثيرًا ما يظهر الباطل أثناء الصراع متلبّسًا لباس الحقّ بأجمل مظاهره مما يصعّب التمييز منذ بداية المعركة أو أثناءها، وفي أحيان كثيرة يتحتّم انتظار النتائج الحاسمة في المعركة لمعرفة الحقّ الذي هو انتصار، وإهمال الباطل الذي يُزهَق.
إذا كنّا نرفض الأسلوب السلبي في البحث عن النقائص والتشدّد بالدلالة عليها ونقدها، حتى ولو كان ذلك تحت ستار التعرّف عليها ومحاربتها، فإنّنا دون إضاعة جهد نباشر العمل النهوضي الواضح المنطلقات والأهداف؛ العمل البنّاء الذي يطلق فعالية العاملين ويحفّز طاقاتهم لتحقيق الأفضل فالأفضل.
وإنّنا في سبيل هذا الهدف نعمل ونتباحث كهيئات مسؤولة ذات صلاحية يحدّدها الدستور وأنظمة الحزب. ولا بدّ أن نتطرّق في بحثنا إلى ما نلاحظ من خلال تجاربنا وممارستنا لصلاحيّاتنا في هذا العمل البنّاء، ونرى أنّه يمكن أن يكون من المعرقلات لمسيرة هذا العمل. ولا يكون التطرّق لها هادفًا التسجيل والانتقاد واتّهام أفراد يُعتبرون مسؤولين عن وجودها، حتى وإن كان هذا حاصلًا، وإنّما لبحث طريقة عمل تتخطّى هذه المعرقلات، وذلك بالبناء النفسي الصحيح حتى يقضي على عوامل مسبّباتها في نفوس البعض وعلى عوامل الاستجابة لها في نفوس البعض الآخر.

  • النشرة الرسمية، العدد 10 – 42، أيلول 1974، ص.7.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *