رسالة عيد التأسيس للعام الحزبي 89

الحزب السوري القومي الاجتماعي

عمدة الداخلية

رسالة عيد التأسيس للعام الحزبي 89

حضرة الرفقاء المحترمين في الوطن والمهاجر،

هو الذي رأى..

رأى كلّ شيء، من قبل التاريخ حتى أقاصي المستقبل.. أبصر بلادًا، طيف بلاد، ليست معيّنةً أرضًا وشعبًا.. ”نحن“، ضائعةٌ بين الطمس والتقسيم والجهل، فانبرى يبحث وينقّب ويمحّص في تلافيف التاريخ، وفي تجاعيد الأرض، ليصل إلى مستقرٍّ لفكره ووجدانه، ليعلن الحقيقة الأتمّ: نحن سوريّون، ونحن أمّةٌ تامّة. «فالأمّة، إذًا، مجتمعٌ طبيعيّ لا بالقوّة الخارجيّة ولا بالاستبداد ولا بأيّ شكلٍ من أشكال الاصطناع.» (نشوء الأمم). عيّن الداء، فقدان الوجدان القومي، في التربية التي مزّقت النسيج الاجتماعي وفي المدية الخارجية التي قطّعت أوصاله.

هو الذي رأى..

أنّ بلادنا تخلو من المؤسّسات، فتقدّم إلى إنشائها بتأسيس الحزب السوريّ القوميّ في 16 تشرين الثاني عام 1932، تحت ظلّ ”الانتداب“ الفرنسي، حزب سرّي، كي يقوى عوده، وليس ليبقى سريًّا؛ بدأ بخمسة مواطنين لينتقل إلى ثلاثة، فواحد، هو جورج عبد المسيح، الذي يتوجّه إليه عبر رسالةٍ مكتوبةٍ في آب 1947 «اقبلوا تقديري العميق وشكري، وثقتي بأنّكم، أينما كنتم وفي أيّة حالةٍ وُجدتم، ستكونون دائمًا الجنديّ الملبّي نداء الواجب القوميّ الاجتماعيّ والأمين العامل على صيانة القضيّة القوميّة الاجتماعيّة المقدّسة ومُثُلها العليا..» انتشر الحزب، آلافٌ من المواطنين انتموا إليه، انكشف أمره في 16 تشرين الثاني عام 1935، حيث سجن المحتلّ مؤسّسه، وأمام المحكمة المختلطة، «وقف شابٌ اسمه أنطون سعاده ليقارع وحيدًا قواتٍ عظيمة الظلم والظالمين وليلقي على أتباعه دروسًا في الإقدام والبطولة الخالدة ولينزع الخوف من قلب شعبه ويعيد إليه ثقته بنفسه وبحقّه في الحياة المثلى والخلود.. لم يكن لهذا الموقف سابقة في كلّ تاريخ سورية منذ عشرين قرنًا».(المعركة السياسيّة التاريخيّة الأولى 1935). 

هو الذي رأى..

أنّ كلّ مؤسّسة تحتاج إلى دستورٍ وقوانين ومراسيم، فوضع الدستور في 21 تشرين الثاني عام 1934، وصنّفه في 20 كانون الثاني عام 1937، وأصدر مراسيم دستورية، غطّت حاجة الحركة آنذاك، وانطلق من مقدّمةٍ للدستور ارتكزت على مبدأ التعاقد بين صاحب الدعوة وبين المقبلين عليها، ينظّم هذا التعاقد قَسَم العضوية، فيصبح المواطن عضوًا في المؤسّسة خاضعًا للنظام بشرف وحقيقة ومعتقد، معتبرًا أنّ القضيّة تساوي وجوده، يستطيع أن يقدّم رأيه ضمن ما يعطيه الدستور من حقٍّ. أنشأ عبر مراسيم دستوريّة مؤسّسات العمد ومجلسهم، والمنفّذيات ومجالسها، والمديريّات ولجانها، ووضع القانون المالي وقانون الضرائب المحلية ومرسوم الشُعَب السياسية، وقانون رتبة الأمانة.. وجعل لنفسه سلطةً مطلقة، لأنّه هو من وقف نفسه على أمّته ووطنه، وهو الذي يحتاج إلى الصلاحيات والضمانات وليس الشعب الفاقد هويته، كما وضع مواد دستورية تنظّم عمل السلطة بوجهيها التشريعي والتنفيذي في حال غيابه، فأصبح انبثاق السلطة يبدأ بانتخابات يشارك فيها جميع القوميّين الاجتماعيّين ضمن مديرياتهم وينتهي بالمجلس الأعلى وفق نظام الحزب المركزي التسلسلي.

هو الذي رأى..

أنّ الدين لتشريف الحياة، وأنّ المؤمنين سواءً بالإنجيل أو القرآن أو الحكمة هم مسلمون لربّ العالمين. وجد تفسّخًا قوميًّا «بين انعزاليّات خانقة واتّحاديات مضيّعة ملاشية»، (الحزبية الدينية لعنة الأمّة، الجيل الجديد 21 نيسان 1949)، سوريّون لم تدخل قلوبهم اليقظة القوميّة ولا عقولهم النهضة القوميّة الاجتماعيّة، بل إنّ كلّ ما يشغل بالهم هو الشعور الديني، ليس كممارسةٍ إيمانيّةٍ أخلاقيّة، بل كطوائف، ”أمم“، متناحرة تخلق رجعيّة تستمدّ «حيويّتها وتفكيرها من الطائفيّة، من الحزبيّة الدينيّة الملتصقة بالأمّة كأنّها لعنة تعمي بصيرتها وتضلّها.» (المرجع نفسه)، و«أنّ ”القوميّة الطائفيّة والوطنيّة الطائفيّة والحريّة الطائفيّة والتقدّميّة الطائفيّة والإصلاح الطائفي والمثاليّة الطائفيّة والمحبّة الطائفيّة والدولة الطائفيّة والحكم الطائفي واللاطائفيّة الطائفيّة.. لا يمكن أن تقضي على الحزبيّة الدينيّة والتعصّب الديني، بل بالعكس، هي قضايا تحيي الحزبيّة الدينيّة وتُذكي التعصّب الديني وتقتل الأمّة وتخرّب الوطن!» (المرجع نفسه)

هو الذي رأى..

أنّه «لا يوصل الشعب إلى خيره والأمّة إلى مجدها إلّا حركة الشعب ونهضة الأمّة – النهضة القوميّة الاجتماعيّة». (المرجع نفسه، لا مفرّ من النجاح، 17 نيسان  1949).

حضرة الرفقاء المحترمين،

إنّه أنطون سعاده، من أسّس حياةً جديدةً، نقلت البلاد من عهد القطعانيّة إلى عهد يقتل العيش ليقيم الحياة، غنى نفوس. إنّه من جعل الروحيّة الحقّة تبني أجيالًا، هذه الروحيّة التي تغذّي نفوسًا يقودها الانتماء لبلادهم إلى التعبير عن أصالة لا يعرفها من يسلّم نفسه للعبودية، بل ويرضى العيش الذليل ويقبل أن يُرمى له الفتات من بقايا موائد ”سلطانه“ – وليّ نعمته! أو من ”صدقة“ الأمم، فلا اعتبار عندهم لكرامة، يتلقّون ”صناديق الهبات“، من داخل أو من خارج، وكأنّ هذا الشعب الذي أنشأ فنّ الزراعة، وقدّم أفضل الابتكارات في التاريخ، وشقّ البحار، كأنّه اليوم عاجز عن أن يكون حرًّا من أمّةٍ حرّة!

الرفيق الحبيب،

 إنّك من أرض النبل، من أمّةٍ جعلت للإنسان تاريخًا، فصُن تاريخك، تاريخ أمّة لم تمرّ بمحنةٍ إلّا وخرجت منها يشعشع ضياؤها في أرجاء المعمورة، خرجت من كلّ أزمنة الصعاب مع سعاده. إنّها تحتاج لفكره اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فهل نقوم بواجبنا نحن القوميّين الاجتماعيّين، ونكون هذا السدّ المنيع في وجه الذلّ والانقسام، أم نسلّم للأمر المفعول، ونحن حركة صراع، حركة هجومية؟! لم يعهدنا أبناء بلادنا ولا أعداؤنا أنّنا نُصاب ونُهزم، بل نحن، وفي هذا الزمن من حكم الضباع، تقودنا العزيمة والإرادة لتحقيق المصلحة الواحدة، مصلحة بلادنا، فلنحمِ الصفّ القومي من كلّ شائبةٍ وكلّ انحراف، ولنقُد قوانا الحيّة إلى النصر. مواطنون كثيرون ينتظرون رؤية صورة الحزب التي رسمها سعاده بوجدانٍ وفكرٍ ودم، فتلوّنت بفوح العطاء. إنّ بلادنا أيّها الرفقاء تحتاج إلى سواعدكم وبنادقكم وأقلامكم، وقبل كلّ شيءٍ تحتاج إلى الروحيّة الحقّة التي تزيل كلّ حواجز تمنع التفاعل بين مواطني الشعب الواحد، وكلّ من يسعى إلى حصار و”ترسيم“ وتجزئة لن يلقى إلّا فشلًا حتى وإن بانت ملامح نصر له، فلا يستمرّ في الحياة إلّا الحقيقة متى وجدت قوى الحياة في النفوس الكريمة.

إنّ القضاء على الخيانة أينما وُجدت هو من صُلب تعاليمنا، ومن صُلب عصبها أيضًا المحبّة، شرط أن لا تحمل روحيّتنا إلّا حبًّا حقيقيًّا، يعرف كيف ينشر عقيدةً لم تتأسّس بغير الحبّ، حبّ المنتصر المترفّع عن الصغائر، الباذل ذاته في قَسَمٍ ليس لنا أيّ شرفٍ أو حقيقةٍ أو معتقدٍ بدونه، فهل نحن قادرون؟

الأعمال بنتائجها، وإنّ غدًا لناظره، نهضة منتصرة بجهاد الرفقاء الميامين.

المركز، 16 تشرين الثاني 2020 م.                                  لتحي سورية وليحي سعاده

        عميد الداخلية

     الرفيق ربيع الحلبي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *