عيد التأسيس للعام الحزبي 89

الحزب السوري القومي الاجتماعي

رئـاســــــــــــة الـــحــــــزب

عيد التأسيس للعام الحزبي 89

أيّها المواطنون والرفقاء

في مطلع العام 89 للنهضة، يقف الواحد منا أمام قَسَمه، ”بشرفي وحقيقتي ومعتقدي“، يستحضر الأيام الأولى للتأسيس، ”كنا خمسة فأصبحنا ثلاثة“، ويمرّ بعدها على ”الطريق الطويل والشاق“ الذي عبره الرفقاء، وما حقّقه الحزب من انتصارات في معارك – رغم أنّ الحرب لم تنتهِ بعد – وما عاناه الحزب والأمّة في هذه الطريق من مكائد ومصائب، لم يزد في هولها سوى تشتّت أبناء شعبنا، وانصياعهم لآراء وأهواء بعض النفعيّين المتحالفين مع الخارج ضدّ مصلحة أمّتهم. ونحن نقف هذه الوِقفة نستعيد العهد: «عامًا بعد عام. ويومًا بعد يوم. نسير في وجهة سيرنا. هدفنا واضح. لم تستره عن بصائرنا غيوم الألاعيب السياسيّة المفعولة لنا. ولم تحرفنا عن تحقيق هدفنا الأسمى المغريات الغرّارة…

… نظامنا الجديد هو نظام الفكر الأصيل، نظام النهج المنبثق عن حقيقة وجودنا. مجتمع واحد. مصلحة واحدة. مصير واحد. قواعدنا موحّدة للبناء الحياتي الصحيح… » (الرفيق جورج عبد المسيح، 1 كانون الثاني 1959)

ونحن نستحضر سير الحزب منذ 1932 وحتى اليوم، لا يغيب عن إدراكنا مدى ما وصلت إليه كياناتنا من درك يرزح تحته مواطنونا، ويشدّ بهم إلى الوراء، بدل أن تكون الآفاق المنيرة التي دلّنا إليها سعاده واضحةً أمامهم، فالتخبّط والشرذمة والذلّ والانصياع للأوامر المفعولة أصبحت سماتٍ تطغى على ما عهدناه من علمٍ وفنٍّ وفلسفةٍ في النفس السوريّة، بل إنّ هذه السمات الأصيلة تبرز في أبنائنا في المهاجر، حيث تتاح لهم الفرص التي حرمتها منهم الظروف القاسية في وطنهم.

ففي فلسطين النازفة يوميًّا، نجد أنّ المحاولات الساعية لوضع صيغٍ لتوحيد الصفوف الفلسطينية في مجابهة ”صفقة القرن“ التي سمعنا عنها في وسائل الإعلام، والتي أعقبت المؤتمر العام للقوى والفصائل الفلسطينية في بيروت، نجد أنّ هذه المحاولات قد دخلت في بازار المزايدات من قبل مختلف المحاور المتنازعة. وأكثر ما نخشاه هو تراجع ”السلطة الفلسطينية“ عن الاستمرار في تلك المحاولات – رغم تواضعها – بعد إعلان ”فوز“ السيد بايدن في معركة الانتخابات في الولايات المتحدة الأميركانية، ومن المعروف تأييد السيد بايدن لفكرة ”حلّ الدولتين“ التي قوّضتها صفقة القرن المدعومة من السيد ترامب، وذلك عبر العودة إلى صيغة المفاوضات ”الإسرائيلية“ – الفلسطينية دعمًا لمسار التطبيع الذي يسير كما تتهاوى أحجار الدومينو، وذلك كلّه في محاولة لتثبيت سياسة ما يسمّونه ”سحب الذرائع“ من يد أصحاب مشروع المقاومة. فنعود عندها إلى المزيد من التشرذم، بعد أن ساور أبناء شعبنا في فلسطين وبلاد الانتشار الأمل في التوصّل إلى صيغة تضمن وحدةً في الاتّجاه للعمل لنصرة المسألة الفلسطينية. نقول هذا لأنّه لم يجرِ تنفيذ أيّ بندٍ ممّا تقرّر في المؤتمر الآنف الذكر، بالإضافة إلى تضارب الآراء حول لقاءاتٍ حصلت في أنقرة.

ويستمرّ الحصار على غزّة، رغم كلّ محاولات التصدّي له، ورغم استمرار إرادة الانتصار في أبنائها، حتى وصلت تقارير الأمم المتّحدة في العام 2020 للإعلان أنّ غزّة غير قابلة للحياة.

وفي فلسطين أيضًا، ومن الجانب المشرق، نجد أمثولاتٍ لامتناهيةً من الممارسات البطوليّة في مجابهة الاحتلال الغاصب ولو باللحم الحيّ. وليس آخرها إضراب الأسير البطل ماهر الأخرس عن الطعام لأكثر من مئة يومٍ، حتى حصل على التزام ”سلطات“ الاحتلال بالإفراج عنه في السادس والعشرين من الشهر الجاري. مثل هذه الممارسات البطولية هي التي تُبقي جذوة الصراع مستعرةً، حتى تغلب إحدى القوّتين الأخرى. وهذا الصراع لن ينتهي بمفاوضات ولا باتّفاقيّات سلام، بل بالعمل المقاوم المنظّم الدؤوب لاستعادة الحقوق لأصحابها الشرعيّين – أبناء شعبنا.

وفي الشام، فإنّ الوضع الاقتصادي والمعيشي بات متردّيًا وبشكلٍ غير مسبوق دفع بالرئيس بشار الأسد إلى أن يلفت النظر إلى مصادرة البنوك في لبنان لأموال شاميّين أودعوها فيها عقب الأحداث التي جرت في الشام، موضحًا أنّ الأزمة غير المسبوقة بدأت بعد الحصار المعتَمَد منذ فترة، وقبل تطبيق أحكام ”قانون قيصر“. وما يزيد الطين بلّةً بدء تخلي الدولة عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها والتراجع عن سياسة الدعم للمواد الأساسية للمواطنين مترافقًا مع جشع التجار الذين يحتكرون المواد الغذائيّة والتموينيّة لزيادة أرصدتهم، ولو على حساب المواطنين الآخرين. وليس أدلّ على خطورة الوضع الاقتصادي وانعكاساته على جوانب حياة المواطنين كافّةً من تقدير حال الموازنة العامة للعام المقبل، التي تعتبر أدنى موازنة مالية للدولة منذ عقود طويلة مع نسبة عجز تتجاوز الخمسين بالمئة في أحسن التقديرات.. وهكذا تتخلّى الدولة عن دورها الراعي لمواطنيها تدريجيًّا..

أمّا الأوضاع السياسية فهي مجمّدة، بفعل عوامل عديدة ومتشابكة، فمن انتخابات مجلس الشعب التي حصلت مؤخّرًا، والتي رسّخت مقولة أنّ هناك ذهنيّةً لم تتغيّر رغم كلّ ما أصاب البلاد، وبالتالي لم تأتِ بجديد، إلى اللجنة الدستورية المعطّلة بإقرار جميع الأطراف الذين أسهموا في إنشائها والمشكّلين لها، وقناعتهم جميعهم أنّ هذه اللجنة لن تأتي بجديد، وأنّ كلّ طرفٍ منهم ينتظر من غيره إعلان موتها النهائي بعد إقرار موتها السريري… وهذا كلّه يضع البلاد مجدّدًا أمام خيارات تعيدنا إلى المربع الأول في ملفّ الحلّ السياسي للأزمة، بغضّ النظر عمّا إذا كان إخراج ذلك سيتمّ عبر مسار أستانة، أو بالعودة إلى جنيف وربط الحلّ النهائي بالحديث عن فرض شروطٍ خارجية على أصحاب القرار، كالموافقة على واقع التواجد التركي في إدلب وأغلب الحدود الشمالية.. والتواجد الأمريكي عبر تشكيل ”قَسَد“ الذي يبحث داعموه عن صيغة لحضوره في بنية الحلّ النهائي .. وليس الواقع في الجنوب بأفضل حال لجهة استثماره اللاحق في العملية السياسية المفترضة، وذلك عبر تظهير بنيةٍ سياسيّةٍ تبدو وكأنّها ممثّلةٌ للتشكيلات المسلّحة الموجودة هناك.. والحديث عن ضرورة بحث القيادة الشاميّة في استعدادها للدخول في جولاتٍ جديدة من مفاوضات الصلح مع العدوّ اليهودي لن يكون آخر شرطٍ من شروط الدول المعتدية، للقبول بالإسهام في الحلّ السياسي الذي يتحدّث عنه الجميع، ولكن كلٌّ منهم يفهمه على طريقته، بما يخدم مصالحه التي أدّت إلى تواجده على أرض الشام… وتأتي خطوة إقامة المؤتمر الخاصّ بـ”اللاجئين الشاميين“ في دمشق في الحادي عشر من هذا الشهر لعودة ”اللاجئين“، ممّا يسهم في التخفيف من معاناتهم في مخيّمات ”اللجوء“، لنجد أنّ الإسهام فيه – لو استثنينا الدول الصديقة ولبنان، المعنيّة المباشرة بملف اللاجئين – كان خجولًا أو مقاطعًا من أغلب الدول المعنيّة، في إشارةٍ واضحةٍ إلى الإصرار على ربط ملفّ اللاجئين بالملفّ السياسي واستغلاله في أيّ استحقاقٍ مقبل، مثل الانتخابات الرئاسية للعام القادم. ولا يمكن إغفال ما أُعلن عن لقاءٍ ضمّ المسؤول الأول عن الأمن القومي في الشام مع مسؤولين أميركان للبحث في مصير بعض الأشخاص حاملي الجنسية الأميركانية الذين اختفوا في الشام في ظروفٍ غامضة – وهو ليس الخبر الأول وليست أميركا الوحيدة في هذا السعي – وقد أعربت الحكومة الشامية عن عدم رغبتها في تقديم هديّة للسيد ترامب تزامنًا مع الانتخابات الرئاسية الأميركانية، بل طالبت بانسحاب القوات الأميركانية مقابل البحث في مصير المختفين الذين تودّ أميركا أن تعرف مصيرهم… هذه المحاولات يحاول الغرب استثمارها أمنيًّا ولتبادل المعلومات الأمنية، بينما تصرّ القيادة الشامية على أن تكون للبحث في إعادة العلاقات السياسيّة الطبيعيّة.

أمّا في الوضع العسكري، فقد تمّ تسجيل مواجهاتٍ بين الأهالي في مناطق القامشلي والحسكة مع الجنود الأميركان، وكان آخرها مقتل أربعة جنود نتيجة انفجار استهدف عربتهم العسكرية – هذه المواجهات التي لم تتطوّر حتى الآن لتتحوّل إلى مقاومةٍ حقيقية، والتي يجب أن تكون مهمّة كلّ القوى الشعبيّة الصادقة في مواجهة الاحتلال الأمريكي الصريح للمنطقة – كما سُجّل انسحابٌ للقوات التركية من ثلاثة مواقع قرب إدلب، ورابعٍ قرب حلب، وذلك ضمن رزنامة وضعتها تركيا لتُوائمها مع التدخّلات التركية في ليبيا وشرق المتوسط والقوقاز.. ولاستغلال الشاميّين في هذه الصراعات حيث أصبح شائعًا نقل المسلّحين الشاميّين من جبهةٍ إلى أخرى ليتواجهوا من جديد في كلّ الساحات باسم الدول الراعية لهم. وهكذا لا نعتبره انتصارًا عسكريًّا أو انسحابًا حقيقيًّا، لأنّ القوات نفسها أعادت تمركزها على أراضٍ شاميّة أخرى ضمن محافظة إدلب، وهذا ما يربك المراقبين المتابعين، ولا سيّما في حقيقة ما يجري بين روسيا وتركيا في المناطق المذكورة، وبالأخصّ الضربة العسكرية الأخيرة لقوات النصرة، التي أسفرت عن مقتل العشرات من الإرهابيّين قرب إدلب… فهل يدعم ذلك الخطة التركيّة لضمّ ”هيئة تحرير الشام“ المصنّفة إرهابيّة مع تنظيم ”أحرار الشام“ التابع لتركيا، لتعزيز سيطرة تركيا على كامل إدلب ومناطق الشمال الحدودية، وإعادة تظهير دور الإخوان المسلمين تحت مسمّيات جديدة برعاية أردوغان وأجهزة مخابراته؟

كما لاحظنا إقدام القوى العسكرية التابعة لـ”قَسَد“ على إجبار بعض السكان القريبين من القواعد الأميركانية على ترك بيوتهم حمايةً للجنود الأميركان، وهذا تصرّف سوف يعقّد الأمور لجهة تنفيذ ”الحلول“ السياسية التي سيُعمل على إبرامها في المستقبل، لجهة الحفاظ على الوحدة الاجتماعية في منطقة الجزيرة.

وليس الوضع الأمني والعسكري في الجنوب بأفضل حالٍ، فالاغتيالات والاضطرابات لم تتوقّف يومًا رغم كلّ الحديث عن ضبط الوضع هناك…

وفي لبنان، ومنذ عامٍ تقريبًا، ما زالت قصّة إبريق الزيت في التكليف والتأليف هي هي: بسعد وبغير سعد، ذلك لأنّ القوى المتنازعة على الساحة لمّا تزل في حمأة نزاعها، ولا يجرؤ أيٌّ منها على التنازل لحساسيّة الوضع وخطورته ومستتبعاته. إنّه الصراع بين ”محور شرٍّ“ يتبنّى الأهداف الاستراتيجية للكيان الغاصب في فلسطين، ومحورٍ يتجرّأ على تمريغ وجه العدوّ في الوحل. هذا في العنوان الأساس لما نشهده في لبنان منذ عدة أعوام. أمّا في التفاصيل فإنّ معاناة اللبنانيّين قد تساوت مع معاناة أبناء شعبنا في الشام لجهة الأوضاع الاقتصاديّة والمعيشيّة، فنُهبت أموالهم وتوقّفت أشغالهم وازدادت طلبات الهجرة.

وبعد عامٍ على ”انتفاضة 17 تشرين“ من العام الماضي، ورغم ما حقّقته من إنجازاتٍ يسيرة في مواجهة منظومة الفساد المتغلغلة في مؤسّسات الدولة وفي المواطنين، لم يبقَ من ساحاتها إلّا التي دأبت وما زالت تنادي بالمطالب عينها، لم تبدّل ولم تساوم ولم تتزحزح ولو قدر أنملة عمّا يطلبه الشعب من إصلاح وتغيير يطال عمق ”النظام“ السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي الذي لا نفع من الترقيع في معالجته. فأيّ ترقيع سيفيد فئةً في حين لا تلبث فئات أخرى أن تنقلب عليها مدعومةً من قوى خارجية، فتترسّخ منظومة الفساد وتستفحل، وينحدر وضع المواطن إلى أسفل درك. وقد اتّضحت ظاهرة ركوب موجة الانتفاضة من قبل سياسيّين وأجهزة أمنيّة – هم من ضمن منظومة الفساد هذه – وهم معروفو المشارب والأهداف المتناغمة مع أهداف ”محور الشر“ الآنف الذكر.

إنّ عمر الفساد في لبنان من عمر الكيان اللبناني بذاته، ولكن ما استجدّ هذه الأيام هو استفحال المنظومة الفاسدة في محاولات الحفاظ على وجودها مقابل غضب المواطنين ومطالبهم المحقّة. حتى أنّ انفجار مرفأ بيروت وما تركه من نتائج كارثية على اللبنانيّين وعلى ”دور لبنان المميّز“ الذي كانوا يتذرّعون به لتأجيل الإصلاح، لم تحرّك ساكنًا فيهم، بل يحاولون تعمية الحقائق وتقديم بعض الأبرياء كبش محرقة للتهرّب من محاسبة المسؤولين الحقيقيّين عن الفساد والإهمال المسهمَيْن في هول الكارثة المذكورة. وهم – أعضاء هذه المنظومة المستمرّة منذ إعلان قيام الكيان اللبناني – هم أنفسهم داعمو ”حكم المصرف“ والمستفيدون من نهب أموال المودعين، ومن يتقاعس اليوم في إطلاق التحقيق الجنائي بأعذار قانونيّة وهميّة هم حماة الفاسدين وهم معروفون ويتدثّرون بأثواب الوطنية والعدالة والمساواة. كما يلفت الانتباه محاولات تبييض صفحة الأتراك في لبنان، وجهر المواطنين اللبنانيّين بولائهم للأتراك على أساس طائفيّ، فتزيد الفرقة والبلبلة بين أبناء الشعب الواحد، متناسين أربع مئات من السنين أذاق الأتراك فيها شعبنا الويل والذلّ.

وأعجب وأغرب ما طُرح في الآونة الأخيرة هو ”الحياد“. فأيّ حيادٍ يمكن أن نبحث فيه ونحن في لبّ الصراع؟ هل نحيد عن صراع نحن طرفٌ فيه؟! ومهما كانت التسميات التي تُطلق على ”الحياد“، فالعامل الأساسي في هذا الصراع هو عدوّنا الأوحد الذي لا يرغب بشيء إلّا بجرفنا من أرضنا. ليعلم القاصي والداني أنّه لا يمكننا الوقوف على الحياد في أيّ صراعٍ يتعلّق بمصالحنا، لأنّه يكون خيانةً لوجودنا وحقيقتنا، هذه هي القاعدة التي يجب أن لا نحيد عنها. فالعلاقات بين الأمم لا تقوم إلّا على المصالح، لذلك جاء المبدأ الأساسي الثامن تاجًا للمبادئ الأساسيّة، بتحديد أنّ «مصلحة سورية فوق كلّ مصلحة».

وما استجدّ لهذا العام هو إعلان بدء ”المفاوضات غير المباشرة“ بين لبنان ودولة الاغتصاب، لـ”ترسيم الحدود البحرية“ بين لبنان ودولة الاحتلال، فيتسنّى لكلا ”الطرفين“ استثمار الغاز والنفط في البحر. فكانت الجلسة التمهيدية التي راعت الشروط التي وضعها لبنان، وكانت الجلسة التفاوضية الأولى التي فاجأ فيها الوفد اللبناني المفاوضين والوسطاء والمراقبين، بمطالبه المتعلّقة بمصالحه الحيويّة في البحر المتجاوزة لما كان العدوّ يعلن، ممّا حدا بالسفيرة الأميركانية في بيروت وممثّل الأمم المتّحدة أن يزورا رئيس الجمهوريّة لتقديم الشكوى ضدّ الموفد اللبناني الجريء. والعبرة ستكون في ما سيأتي من أيام حبلى بمفاوضات شاقّة، للمقاومة باعٌ طويلٌ فيها من اتّفاقية فصل القوات في الجولان عام 1973، إلى تفاهم نيسان عام 1996، إلى القرار رقم 1701 عام 2006، وهنا لا بدّ من التأكيد أنّ «القوة هي القول الفصل في إثبات الحقّ القومي» ونحن في الحزب السوري القومي الاجتماعي نعلن أن لا ”مفاوضات“، ولا لقاءات ولا علاقات مع العدوّ سوى الحديد والنار، حتى نستعيد حقوقنا ونحرّر أرضنا كاملة.

والعراق استقرّ على الاتّفاق الأميركاني الإيراني، بتعيين السيد الكاظمي رئيسًا للحكومة، وتأليفها، واستتباب الوضع الأمني إلى حدٍّ مقبول وتعيين موعد الانتخابات في حزيران المقبل. مع ما يتخلّل ذلك من هجماتٍ متفرّقة من فلول ”داعش“ المنتشرة في أنحاء مختلفة بين الشام والعراق. وكذلك بعض الهجمات التي تقوم بها بعض المجموعات المسلّحة على القوات الأميركانية أو قوافل تموينها لتذكير الأميركان بضرورة مغادرة العراق أواخر هذا العام.

والأردن الذي يشهد انتخاباتٍ نيابيّةٍ جديدة، بكلّ ما يشوبها من تشابه مع الانتخابات اللبنانية والشامية والعراقيّة، ينتج عن ذلك مجلسٌ دون أصواتٍ حقيقيّة تعبّر عن إرادة الشعب، مع ما يمكن أن يواجه الأردن من إفرازات ما يتمّ إبرامه من اتّفاقات بين دولة الاغتصاب ودول الخليج، حيث سيشكّل الأردن الممرّ الإجباري لتنفيذ الاتفاقات المتعلّقة بالنقل البرّي بين هذه الدول ودولة الاحتلال، وهذا ما لن يستسيغه الشعب في الأردن، وعلى القوى الوطنية تحمّل مسؤوليّتها، مع الإشارة إلى أنّ الكيان لا زال مسلوب الإرادة طالما أنّ اتّفاق وادي عربة والاتّفاقات اللاحقة لم تلغَ بعد.

والكويت ما زالت على صمودها في وجه اللاهثين وراء السيد الأميركاني لطلب عفوه ورضاه، ولا زال رئيس ”مجلس الأمّة“ يتّخذ المواقف الرجوليّة في مواجهة كلّ محاولات الاحتلال للتسلّل وفرض رغباته.

وقبرص وكيليكيا وسيناء والأهواز والإسكندرون، لا تزال تنتظر عودتها إلى المحور الطبيعي الذي تكتمل به كرامتها وعزّها.

إنّ أمام كافّة كيانات الأمّة تحدّيات آنيّة ثلاثة:

  1. وباء ”الكورونا“ الذي فتك بالعالم أجمع، وجلّ ما هو مطلوب هو تأمين المستلزمات الصحية واتّخاذ كافّة إجراءات الوقاية التي أصبحت معروفة.
  2. الاتّفاقات بين الدول اللاهثة لعقد الصفقات مع العدوّ اليهودي، ممّا يؤثّر على اقتصادات الكيانات كافّة. وهذا لا يمكن مواجهته بدون التنسيق الطبيعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري بين الكيانات لتتّصل بطريق الحرير المؤدّية إلى أسواق الشرق الأقصى الواسعة.
  3. تداعيات غموض نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركانية، فلهذه الانتخابات الأثر البالغ في تحديد التوجّهات السياسية في منطقتنا لما للقوى المتحكّمة بالمقدّرات الأميركانية من علاقاتٍ وثيقةٍ مع عدوّنا اليهودي، والأمر ليس جديدًا. ولسنا ننتظر تغييرًا في النهج الأميركي تجاه أمّتنا وحقوق شعبنا، مقابل دعمهم المستميت لعدوّنا التاريخي الأوحد، لكنّ غموض النتائج يسبّب البلبلة السياسية في التعاطي مع الأحداث. فلقد شاهدنا تهافت الرؤساء على تهنئة بايدن، لكنّ الرئيس الروسي تمنّع عن تهنئته كون إعلان الفوز لم يصدر عن المصدر الرسمي المخوّل بذلك، ما يعطي الفوز الوجه الشرعي المطلوب. أي أنّ ضياع الولايات المتّحدة الأميركانية بين بايدن وترامب سيتسبّب بضياع العالم بين نهجين مختلفين، وتداعياتهما على السياسة الخارجية للدول كافّةً، رغم وحدة توجّههما وغايتهما.

أمّا في العالم العربي الذي يشهد غزوًا تركيًّا على جبهاتٍ عدة لإعادة النفوذ القديم أيام السلطنة العثمانية، بانتظار العام 2023 وانقضاء مئة عام على اتفاقية لوزان: فتعيد تركيا احتلال المناطق التي اعتبرت أنّها سُلخت عنها، وهي المناطق التي تشمل حلب وإدلب في الشام والقطاع الشمالي الشرقي من العراق، وتسعى لنفوذٍ ما في لبنان مع انتشار الفوضى السياسيّة فيه، كما وضعت لها موطئ قدم في ليبيا بالإضافة إلى القواعد في الصومال وأرتيريا. وبالأمس القريب تبرّعت تركيا بدفع ديون الصومال لدى البنك الدولي رغم ما تعانيه من وضعٍ اقتصاديّ حدا بوزير المالية التركي لتقديم استقالته، دون أن ننسى تهديدها لفيينا. يضاف إلى ”النشاط“ التركي في أمم العالم العربي ما تعانيه مصر من أزمتين متزامنتين: الأولى التوغل التركي في ليبيا، والثانية سدّ ”النهضة“ الذي أقامته أثيوبيا على النيل بدعمٍ أمنيٍّ وفنيٍّ يهودي للتأثير على الحياة في مصر. في الأزمة الأولى تمّ التوصّل إلى حلٍّ مؤقّت للتوسّع في ليبيا، ويُعمل على تنفيذه من خلال المؤتمر الذي عُقد في تونس. أمّا أثيوبيا فقد شهدت حركةً انفصاليّةً نشطت في الآونة الأخيرة، وراء أكمتها ما وراءها في هذا الوقت بالذات. واليمن الذي لا يزال يعاني ويلات حربٍ ضروس شنّتها المملكة العربية السعودية وحليفاتها الخليجية، ولكنّ نتائج هذه الحرب لم تكن وبالًا على اليمن فقط، بل طالت بويلاتها مُشعِلِيها. والسودان الذي خضع للضغوط الأميركانية ووافق على إقامة علاقاتٍ مع العدوّ اليهودي، مع أنّه كان فيما مضى ممرًّا لوجستيًّا لحركات المقاومة، خاصّةً في فلسطين المحتلّة.

ويبقى العالم في انتظار تبلور تعدديّة الأقطاب في ظلّ الصراعات التي نشهدها اليوم بين أميركا وروسيا والصين، وأفول الدور الأوروبي الذي ارتضى لنفسه الدوران في الفلك الأميركاني، كما يشهد اضطراباتٍ متنقّلة قد تشي بمحاولاتٍ لإشعال فتنٍ دينيّة في العالم أجمع. ويبقى أن نشاهد انطلاق قوى إقليميّة تحاول أن تكون ذات حضورٍ فاعلٍ في محيطها كتركيا وإيران والهند وجنوب أفريقيا.

كلّ ما يجري في العالم عامّةً، وفي العالم العربي خاصةً، يعرّضنا للاهتزاز المستمرّ، والسبب الأساسي لهذا الاهتزاز وهذا التبلبل هو فقدان إدراك هوّيّتنا القوميّة وحقيقة وجودنا شعبًا واحدًا، وأرضًا واحدة، وتهرّب الدُويلات السورية من إقامة الحدّ الأدنى من التنسيق – وهو أقلّ من الحاجة الحقيقيّة – الذي تحتاجه في مواجهة الأخطار المتنوّعة، ورأينا نموذجًا عن ضرورة المباشرة فيه في محاربة ”داعش“ بين الشام والعراق، وفي جرود عرسال، وفي المساعدات التي توجّهت إلى لبنان بعد انفجار المرفأ الكارثي من العراق والشام عبر الأراضي الشاميّة.

أيّها القوميّون الاجتماعيّون،

«إنّ قضيّة النهضة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة هي قضيّة نهوضٍ بالأخلاق والمناقب قبل كلّ شيء. فالأخلاق الضعيفة والمثالب النفسيّة قلّما قدرت على النهوض بأمّةٍ أو تغيير حالة شعبٍ سيّئة» (سعاده، دروس قوميّة اجتماعيّة – امتطاء العموميّات إلى الخصوصيّات، الزوبعة، 15 تشرين الأول 1943). إنّ ما نراه ويتمّ تداوله عن تصرّفاتٍ وأفعال لا تمتّ إلى المناقبيّة القوميّة الاجتماعيّة بصلة، ليس سوى نتيجة استمرار عوامل الفرديّة في نفوس البعض، إلّا أنّ هذه الفردية ما هي سوى مرض قتّال، يصيب شعبنا في الصميم، ويؤخّر عوامل النهوض إلى مراقي الحياة التي نستحقّها. وما على القوميّين الاجتماعيّين، سوى استعادة الانتظام صفًّا واحدًا لتحقيق مصلحة سورية التي هي فوق كلّ مصلحة، وعلى رفقائنا المنتظمين الدور الأساس في هذا العمل الجبّار.

ولأنّه لا يغيب عن بالنا لحظةً واحدةً حال القوميّين الاجتماعيّين أينما تواجدوا، لا بدّ من الإشارة إلى ما نرصده من استسهال النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، والتباهي بمخالفة قَسَم المسؤولية عند كلّ من أقسمه يومًا، والذي يشدّد على أن “لا أذيع إلّا ما أنا مكلّفٌ بإذاعته”، حتى لمن امتلك المعلومة الحقيقية… أوَليس الأجدى استبدال ذلك بنشر ما يعزّز الوحدة الروحيّة بين القوميّين، وبنشر المحبة التي بها وحدها ننتصر ببعضنا وليس على بعضنا؟

أيّها الرفقاء،

في المحاضرة التاسعة من محاضرات حضرة الزعيم، التي شرح فيها المبدأ الإصلاحي الخامس: «إعداد جيش قويّ يكون ذا قيمةٍ فعليّةٍ في تقرير مصير الأمّة والوطن»، يُعلن حضرة الزعيم أنّنا جنود يصارعون لتحقيق غاية الحزب التي تساوي وجودنا، ويشدّد على فضائل الجنديّة، من انضباطٍ وتلبية وتمثّلٍ لنظام الفكر والنهج، واحترام نظام الشكل المعبّر عنهما، كما يُسهب في شرح القوة النفسيّة والقوة الماديّة في حماية الحقّ القومي، وهذه القوة لا تكون بمُضافٍ من الخارج، إنّما تنبع من هذا الالتزام الجميل بما أقسمنا لتحقيقه ”بشرفنا وحقيقتنا ومعتقدنا“، وهو يعني التوثّب لتجاوز المصاعب، وحماية شعبنا من الأخطار، والثقة: «إنّ مبدأً أساسيًّا من مبادئ الحزب السوريّ القوميّ المناقبيّة هو مبدأ الثقة» (سعاده، إلى رئيس وأعضاء مجلس إدارة ”سورية الجديدة“، 10 تشرين الأول 1939). الثقة بالنفس، والثقة بالانتصار التي لا تعني انتظاره، بل العمل الحثيث لتحقيقه.

أيّها المواطنون والرفقاء،

إنّ الأيّام التي تمرّ على بلادنا لا تحمل في طيّاتها ما يحقّق مصلحتنا، إن لم نكن نحن الذين نقرّر مسارها. ولن نستطيع تقريرها إلّا إذا وعينا حقيقتنا وتمرّسنا بها، وعملنا يدًا واحدة لتحقيق مُثُلنا العليا.

المركز في عيد التأسيس                                                                

رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي

الرفيق د. علي حيدر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *