رسالة شهر آب 2020 – في المسلكية القومية الاجتماعية

هؤلاء الرفقاء، المعبّرون عن العقلية الأخلاقية، معتنقو العقيدة القومية الاجتماعية، قاعدة فكرية ومذهبًا مناقبيًّا وتمرّسًا عمليًّا قويمًا، يتمثّلون هذه الأقانيم أصالة ليست مضافة إلى نفوسهم، بل هي من تراب نشأتهم نبتًا صالحًا على يد معلّم – فلاح – زارع، حصد وغربل، فكان خبزه أجيالًا تعرف بلادها معلنةً أنّ مصلحتها فوق كلّ مصلحة.

الرفيق الحبيب

إنّنا نرى كلّ ما هو حولنا ونرى ما يجري على ساح الوطن وفي العالم، ونجد أنّ كلّ شعب يخرج عن قوميّته يقع في أفخاخ تنصب له من قبل أعدائه، داخليّين كانوا أو خارجيّين، ومهما حاول أن ينجو منها  فلن ينجح إلّا إذا اعتمد على قوته الذاتية، التي تجعله وحدة حياة تجري فيها مواكب بشرية تصنع ما تريد هي بإرادتها، واضعة تطلّعاتها نحو عزّتها غايةً لها.

وإذا ما تصفّحنا تراث سعاده المكتوب، واطّلعنا على غير المكتوب وما نعرف عنه من مواقف، نجد أنّه لم يركن يومًا في عمله الحزبي إلّا للرفقاء المنتظمين تحت قَسَمٍ معبّر عن كينونة الإنسان السوري في المؤسّسة الحزبية، ليس لأنّه لا يثق بأبناء شعبه غير المنضوين تحت راية الزوبعة، فهو من قال ”شعبها حيٌّ عظيم“، بل لأنّهم غير مسؤولين أمام إدارة المؤسّسة، فكلّ من هو خارج العمل الحزبي نظاميًّا، هو خارج نطاق عمل المؤسّسات التي اعتبرها سعاده الإنجاز الأعظم له بعد تأسيس فكرة الأمّة على أساسها العلمي، هذا العمل المنبثق أولًا من المقياس العقدي، ثم من تعليمات وتوجيهات المسؤولين الموظّفين المؤدّين قَسَم وظائفهم، كلٌّ في مصلحته، والخاضعين بدورهم للتوجيه والمحاسبة أمام قيم القوميّة الاجتماعيّة أولًا ثم أمام من عيّنهم أو انتخبهم، وإلّا ما نفع أن يكون مجموعًا أو تكون مؤسّسة ولا يكون لها نظام أو رؤساء ومرؤوسون ضمن الصلاحيّات المعطاة لكلّ رفيق في موقعه؟

وقد يكون مواطنون، أو قوميّون، محبّذين مناصرين، وهذا له قيمة عظمى في تاريخ أيّ حركة، ولكنّه يبقى غير خاضع للنظام، وهذا ما لا يمكن أن يكون قوة ذاتيّة دافعة. ومهما اعتبر قوميّون، وهم يعملون خارج ما يطلبه الدستور والأنظمة الداخلية، أنّهم يطبّقون تعاليم سعاده على أنفسهم وفي عائلاتهم، فهم على ضلال كبير عمّا أراده زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي من العمل الحزبي. لم يطلب أنطون سعاده الأخلاق مجرّدةً، ولا الفكر مجرّدًا، ولم يقل إنّ القوميّ يُشار إليه بالبنان لأنّه ”صاحب واجب“ مع أبناء متّحده، بل لأنّه اطّلع وآمن واقتنع وانتمى وتدرّب وحمل مسؤولية قَسَمه ليكون عاملًا في حزبه، الذي يمثّل فكر وأخلاق القوميّة الاجتماعيّة. إنّ السلوكات التي تخرج عن العمل المنتَج من المؤسّسات تبقى عملًا فرديًّا عند من زعموا أنّهم قوميّين أو عند سواهم.

انظروا إلى الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، إنّه يستمرّ رغم كلّ النّكبات التي تعرّض لها داخليًّا وخارجيًّا، ليس لأنّه مجموعٌ من الأفراد، وليس بسبب القلوب المؤتلفة حوله، بل لأنّه ديمومة هذه الإمكانيّات المنضبطة بعقد النظام وما خلفه من قوّةٍ روحية. إنّه يعتمد على ما قد أنتجته النفسيّة السوريّة بسعاده لضرورتين متلازمتين غير منفصلتين: الفكر والنهج، فلا يمكن الفصل بينهما إلّا على الصعيد النظري أو الأكاديمي، وهذا ما لم يرضَ به سعاده، رغم كلّ المغريات التي قُدّمت له أو التهديدات التي تعرّض لها، حتى بذل الدماء. ومن يفصل بين عقيدة سعاده والحزب، يكون قد فصل بين ثالوث الحياة النفس والدماغ والمحيط، أو بين الروح والمادة، أو الفكرة والحركة، ولا سيّما على الصعيد الحياتي العملي. ولا نقصد بالحزب هنا الأشكال فقط، على أهميّتها، بل نعني بها هذه القلوب المؤمنة المؤيّدة بصحة العقيدة لآلاف من السوريّين الذين لم يخرجوا عن أخلاقهم ولا عن أفكارهم ولا عن انتظامهم رغم كلّ الويلات، ونقصد هؤلاء المنضوين تحت قَسَم الشرف والحقيقة والمعتقد في مؤسّستهم محاربين الانحراف، من أيّ نوعٍ كان ولأيّ سبب كان، ومنتجين غلال أيامهم من مَعين أمّتهم.

إنّ مسلكية القوميّ الاجتماعيّ، هو ما نشهده في كلّ لحظة يلبّي فيها الرفيق، مقيمًا أو مهاجرًا، ما يختلج في ذاته من وجْدٍ لبلاده، وما تمليه عليه مصلحتها دون توانٍ أو تلكؤٍ أو مزاجيّة، بل بما يمتلكه من فضائل الجندية بكلّ عزيمةٍ صادقة. هو الرفيق من يعقل توكّلًا إراديًّا بحسٍّ من الواجب وفي قلبه الدافع من حبّ بلاده. هو من يطيع ويطاع.

إنّ الرفقاء القوميّين الاجتماعيّين غير مدّعين، بل واثقون غير ”متواضعين“، لأنّهم هم أنفسهم في كلّ الأماكن والظروف، أعزّاء يمثّلون أعظم مؤسّسة أُنشئت في تاريخ بلادهم الحديث، والتي وحدها تعمل لمصلحة سورية، أمّة تامّة الشخصيّة مستقلّة القضية.

إنّها المسلكية التي تلمّ ركام بلادها وأشلاءها وتبني منها أمّةً ”كلّ ما فيها جميل“، جبالًا – حصونًا، وأنهارًا – شرايين حياة، ومرافئ ـ أشرعة مدّت العالم بنور الحرف، علمًا وفنًّا، وفتحت آفاق الإنسان على فلسفات، وحدها ربّت رجالًا أحرارًا، وديانات المحبّة والرحمة.. حتى وإن شوّهوا معالم هذه المرافئ تبقى أصيلة لا تبخل بالبذل، أُمًّا ولّادة عقول وزنود وقلوب تضيء العالم وتستقبل أحبّة، نافضةً عنها غبار الغدر، منتقمةً بالعزّ الذي انتصرت به نفسيّتنا بأبناء عكا التي «لو كانت خايفة من هدير البحر، ما وقفتش ع الشط»، وهذا حال مدننا الساحلية جميعها من غزة إلى صور وصيدا وبيروت وأرواد والإسكندرونة والبصرة وغيرها، على شواطئ بحرنا السوري العظيم…

إنّها المسلكية التي تجعل من الرفقاء والشرفاء، رساليّي بلادنا نحن، نمسح جبينها بغار مجدها لنزيل عنها رائحة البارود والدخان، ننفض الغبارعن وجهها الجميل، وننزع من جسمها رصاصات الخيانة، نزرعه من ساحله إلى جبله ابتسامة وأغنية وقمحًا وبندقية.. معمّدين أبناءها يمينًا قائمة، رافعة النفوس من أرض لسماء.. لتحيا سورية. 

المركز في 22/8/2020                                                          

عميد الداخلية      

الرفيق ربيع الحلبي        

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *