بين مرفأي بيروت وحيفا

الرفيقة نسرين حريز

إنّ صراع الأمم هو صراع مصالح، لذا فكلّ أمّة من أمم العالم تبني خططها وعلاقاتها بناءً على مصالحها ليس إلّا.

 الكيان الغاصب ليس فقط مدعومًا معنويًّا وأمنيًّا من الدول الكبرى، إنما اقتصاديًا كذلك لأن هذه الدول تدرك أنّ لا قيام لهذا الكيان من غير اقتصاد قويّ يكون له شريان حياة واستمرار..

إنّ خطط هذا الكيان الاقتصادية، وبغياب الموارد الطبيعية المهمّة، ركّزت على الريادة في بعض القطاعات، خصوصًا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما يتعلق بالجامعات والبحث العلمي وتكنولوجيا المعلومات وصناعة الأسلحة..

نقطتان متعلقتان باقتصاد الكيان لهما تأثير مباشر وخطير على سير الأحداث في المنطقة:

النقطة الأولى هي اكتشاف الغاز في البحر المتوسط، وهي نقطة مهمة جدًّا وأساسية وحيوية لاقتصاد الكيان الغاصب.

النقطة الثانية هي الاستفادة من الموقع الجغرافي لفلسطين المحتّلة على حوض شرق المتوسط وعلى البحر الأحمر كجسر بين الشرق والغرب.

أمّا في الكيان اللبناني، فلقد تمّ زرع فكرة أساسية في العقول وهي أنّ لبنان له دور مهمّ كجسر بين الشرق والغرب.

لذا ومنذ إنشاء الكيان اللبناني تم التركيز على تجارة الترانزيت كأهمّ دعامة للاقتصاد اللبناني، إضافة إلى القطاع المصرفي وتمّ القضاء على قطاعي الزراعة والصناعة..

ولكن هل هذه الميزة الجغرافية هي حكر على لبنان؟

طبعًا لا.. فعلى بُعد بعض الكيلومترات من بيروت تقع مدينة حيفا المحتلّة التي تملك كلّ الميزات الاستراتيجية المتعلقة بموقع بيروت.

والسؤال هو: هلّ الدور الذي يلعبه لبنان بموضوع التجارة البريّة والترانزيت يلاقي منافسة شرسة من الكيان الغاصب؟

لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّه في العشرين سنة الماضية نما الاقتصاد الصيني بشكل هائل، وبالتالي حصل ارتفاع كبير في قدراته التصديرية فبدأت الصين تفتش عن طرق لتوسيع أسواقها في العالم لتصريف منتجاتها.

وما يهمنا هنا، تلك الأسواق التي هي في غرب الصين والتي تعبر وطننا باتجاه الأسواق الأوروبية.

تدرك الصين طبعًا بأن ما يوازي أهمية الأسواق نفسها هي الطرق التي تمرّ بها البضائع للوصول إلى هذه الأسواق. لذا، كانت مبادرة الصين بإعادة إحياء طريق الحرير أو ما يسمّى بـ ”حزام واحد طريق واحد“.

وهنا نُدرج بعض النقاط المتعلقة بطرق النقل المرتبطة بطريق الحرير هذه والتي تهدف إلى الإضاءة على فكرة المنافسة بين لبنان والكيان الغاصب في مجال النقل والترانزيت:

أولًا: الطرق الآمنة:

هل الطرق التي يمكن أن تمرّ في وطننا ضمن مبادرة طريق الحرير هي طرق آمنة؟

إنّ طريق العراق ليست طريقًا آمنة منذ الاحتلال الأميريكي للعراق وكذلك الوضع بالنسبة للكيان الشامي. لذلك نتساءل هنا: ما الذي يمنع الصين من تحويل الطريق ليمرّ بالسعودية والأردن و”إسرائيل“ عبر مرفأ رئيسي هو مرفأ حيفا؟

ثانيًا: شبكة المواصلات المتطوّرة

إنّ نقل البضائع بواسطة الشاحنات هو أكثر خطورة وكلفة وأكثر استهلاكًا للوقت مقارنةً مع شبكة سكك حديد متطورة وقطارات نقل سريعة.

لذلك فإنّ الصين تسعى لبناء شبكة سكك حديد تشبك كلّ الدول التي تعبر فيها البضائع الآتية من الصين إلى الغرب. هذه الشبكة تصل الصين بميناء على حوض شرق المتوسط ومنه الى أوروبا.. وهنا السؤال: هل مرفأ حيفا هو المرفأ المعدّ لهذه المهمّة؟

ثالثًا: التجهيزات العالية في مرفأ حيفا

إنّ التجهيزات التقنية والتكنولوجية العالية الجودة وذات المواصفات العالمية الموجودة في ميناء حيفا، إضافةً إلى التطوير الدائم له يجعله من أهمّ الموانئ على حوض شرق المتوسط. وهناك اتفاقات مهمّة جدًّا بين الصين و”إسرائيل“ من أجل تطوير الميناء وتجهيزه وبكلفة عالية. من هذه الإتفاقات ما تم تنفيذه ومنه ما هو في طريقه إلى التنفيذ. وهنا السؤال: هل الهدف هو تحضير هذا المرفأ لتكون ”إسرائيل“ اللّاعب الأهمّ في التجارة الدولية بين الشرق والغرب؟

لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ كلّ دول الخليج العربي جاهزة لعلاقات طبيعية مع ”إسرائيل“، وخصوصًا بناء علاقات اقتصادية استراتيجية معها، وها هي الإمارات توقّع اليوم على اتفاقية التطبيع.

بالتطبيع مع دول الخليج تكون ”إسرائيل“ قد أزالت عقبة مهمّة بوجه دورها الاقتصادي عمومًا، والمتعلق بالنقل التجاري خصوصًا.

نعود إلى تفجير مرفأ بيروت.

في الوقت الذي كان الرئيس الفرنسي يتحضّر لزيارته الكرنفالية إلى لبنان كانت إحدى أكبر البوارج البحرية التابعة للأسطول البريطاني تشقّ البحر متّجهة إلى شاطئ بيروت.

ما هو الدور الذي سيكون لهذه البارجة والبوارج الأخرى الآتية إلى شواطئ لبنان؟ أهو دور أمني مشبوه أم دور يتعلّق بموضوع الغاز؟

هل يذكّرنا هذا المشهد بالبواخر التي أتت بعد إسقاط الطائرة الأثيوبية والتي كانت تمسح آبار الغاز وتحصل على معلومات عجزت الحكومة اللبنانية نفسها عن امتلاكها حتى الآن؟ وكلّ ذلك لمصلحة من؟

ألا يجب أن تكون مياهنا التي فيها الغاز من الأمن القومي اللبناني، ولا يجوز أن ترسو فيها بوارج حربية حتى لدول ”صديقة“ لنا؟!

أمّا هذا الغاز فنحن لم نتمكن من تحريره بعد لأنه ليس هناك قرار دولي بذلك حتى الآن، وذلك خوفًا من أن يكون استخراج هذا الغاز نقطة تحوّل في الاقتصاد اللبناني ممّا يشكل خطرًا على الكيان المغتصِب.

أمّا ”الصديق“ الفرنسي الذي تعامل معه بعض اللبنانيين وكأن لبنان ما زال تحت الانتداب الفرنسي، فقد ركَّز لمرّات عدّة أنه سيعود لزيارتنا للاحتفال بمئوية دولة لبنان الكبير.

طبعًا سيحتفل، فهو و”الصديق“ البريطاني هما من قسّما الهلال الخصيب إلى دويلات بعد إنشاء الكيان الغاصب وحرصا على ألّا يكون لأي كيان من الكيانات المحيطة به مقومات الحياة والتطوّر..! وحرصا على قطع الأوصال بين هذه الكيانات إلى أن أكمل ”الصديق“ الأميركي المسير!…

كلّ هذا المشهد كان يمكن أن يتغيّر لو أن هناك وحدة سياسية للكيانات السورية أو على الأقل وحدة اقتصادية. ولكن جميع الدول ”الصديقة“ تسعى إلى تقسيم المقسّم وتفتيت المفتّت، وذلك خدمة للكيان الغاصب الذي ما كان ليستمر حتى الآن لو أننا واجهناه موحدّين، ولو أن مجتمعنا لم تنخره الفردية والأنانية والمحسوبية والفساد والطائفية والمذهبية والكيانية..

لو كانت سورية موحدة وبحالة اجتماعية صحيّة لكانت من الأمم التي تقود العالم، ولكان الكيان الغاصب قد أوجد لنفسه وعدًا في بقعة أخرى من العالم…!

في 14 آب 2020                                             

الرفيقة نسرين حريز

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *