أرباب سرّاق

قصة قصيرة للرفيقة د. سوسان جرجس*

أرباب سرّاق

«وبعض البيوت لنا رحمٌ، إن هُدمت تعرينا حتى من جلدنا، وقُذف بنا في جبّ الأبدية العقيمة»، هكذا ترتسم الأمكنة في عينَيّ فتحيلني طيفًا مشدودًا إلى أطراف الزمن بخيوط عنكبوت تائه.

أكثر من عقد قد مضى على مغادرتي مرتع الطفولة، واستقراري بالقرب من مركز عملي، إلّا أنّي ما زلت تلك الفتاة الانعزالية التي تخشى انسحاقها تحت حوافر المدينة الجامحة، وما زلت كما في أسبوعي الأول هنا، أنتظر حتى يلفظ دوام عمل يوم الجمعة أنفاسه الأخيرة، فأنسحب نحو القرية كجندي مهزوم هارب إلى أحضان زوجة ”ترّبت“ خدوش التعب وجهها الريفي.

تلك القرية ليست أجمل القرى، ولا أكثرها خيرًا وسلامًا، لكنها حتمًا أكثر مناطق الأرض دفئًا.. في كلّ مرة أعود إليها أتوه بين أحضان الوادي والتلّة الصغيرة، أستيقظ باكرًا، أنوار الصباح الأولى تختلط بالضباب ودخان المداخن. أسير بين بيوت متناثرة بالكاد جُدّد طلاؤها، وأُزلِجت مصاريع نوافذها خوفًا من رياح عتيدة.. أرقب شروق الشمس واهيًا من خلف الجبال. أمام الدور حدائق زرعت بالياسمين والورد والفلّ والقرنفل. في الأحواض نعناع وحبق تفترّ شفاهه عن عطرٍ مسكونٍ بخمر عشّاق يثملون بقبلة هاربة.. بحر متلاطم من الأشجار يتسيّد المكان، صنوبر، سرو، صفصاف، كينة، سنديان وبلوط… وحدها أشجار اللوز الملائكية ما زالت تخبر أبناء القرية الراقدة فوق جمر عتيق عن موتها  العابر، محدِثة في روحي فجوة عميقة تثير مخاوفي من مكانٍ أتمسّك به وأعود إليه، رغمًا عني، بحثًا عن حبلي السرّي.

أدخل أزقّة الحارة الضيقة، حواسي الخمسة تهرول لملاقاة بيت العائلة القديم في أعلى التلّة، ملامح المكان غزتها التجاعيد، كذلك ملامح الناس.. فوق أحد السطوح فتاة وصبي يلعبان العفريتة، بمهارة يقفز الصبي بين المربعات على رجل واحدة. لمراتٍ متتالية تحاول الفتاة الفوز من دون جدوى. يسخر الصبي منها.. تبكي.. يقهقه، يقفز بين سطوحٍ شبه متلاصقة محاولًا إمساك بلبل أضناه البرد. بغتةً، صدى ضربات حادّة يغزو المكان كحوافر خيل تهبط من تجاويف الليل. أشعر أن البيوت المتصدّعة ستحيل الحارة كومة من دمار. أنظر إلى السماء فأرى غيمة شرهة تقضم كبد الشمس. يسقط رذاذ المطر بخشوع فوق طفولتي الهاربة، تراتيل شرقية تنشدها الريح بين بيوت هُجّر أغلب سُكّانها خلال الحرب الأهلية نحو بيروت، فكان غيابهم حاضرًا بقوّة كصرخة خرساء في ليالي القتل الجماعيّ.. تقفز الفتاة نحوي مختبئة بين ثنايا معطفي الأسود، دافعة بي تجاه تنّور ”أم رزق“.

– العوافي يا ستي.

– أهلا يَمي… أي متى جيتي من بيروت.

– البارحة بالليل يا ستي.

– تأخّرتي كتير.. أخدو البيت بتراب المصاري.

– أي بيت يا تيتا.

– بيت المدينية.. حرقوا قلبها وهي بالقبر.

أبتسم من تخريفات الجدّة أم رزق، المرأة المسكينة فقدت عقلها بعد أن قتلوا ولدها أمام عينيها. بعد أن خبأته في خزّان المياه الحجري، ظلّوا يضربون رأسها بالحائط حتى تعترف أين خبأت وحيدها. لم يكونوا ليعرفوا مكانه لولا أنّ الولد صرخ خوفًا من سلطعون متجمّد في الماء، حينها فقط سحبوا الصبي من مخبئه وهو يرتجف، صرخوا بها:

  • زوجك قتل خَيْ الزعيم يا أم رزق.

ارتمت على الأرض متشبّثة بأقدامهم، توسّلت إليهم:

  • نحن ولاد ضيعة وحدة.. نحن أهل…. فتشوا على زوجي وارموه بجهنم… اقتلوني أنا… بس الولد زغير وما له ذنب.

صاح واحد من الرجال:

  • وشو ذنب الزعيم حتى تحرموا من خيّو.

الدقائق السوداء تحرق نفسها، العصبيات الحزبية زيت يغلي فوق النار، الحقد يتغذّى بالجهل، الكلاشينكوف يتقيّأ رصاصة نيئة فوق الجسد الصغير.

فجر اليوم التالي، خرجت العائلات المعادية للزعيم من القرية، وحدها أم رزق ضيّعت عقلها هربًا من صرخات جرحها، أشعلت حطبًا تحت التنّور ورفضت الخروج قائلة إنّها ستوافيهم إلى بيروت حين يعود ابنها من الوادي… القرية الوديعة تحوّلت إلى ذئب كشّر عن أنيابه للمرأة الثكلى. وحدهما جدّاي أحاطاها بالعطف والعناية ومنعوا كلاب الزعيم من نهشها.

  • قومي ادخلي على البيت يا ستي.. عمّا يقولوا جايي عاصفة.

 قلت وتابعت طريقي سعيًا وراء ذكريات مفقودة.

بين الحارة والتلّة لم تكن مجرّد بساتين ودفلى ونبع ماء. بينهما منذ عشرين عامًا بُني هرمٌ قاعدته الجوع، وقمّته التخمة. وكان بيت جَدّي القديم بطموح جدتي المدينية في الوسط، ملاصقًا للكنيسة، قريبًا من قلعة الزعيم، وليس بعيدًا عن حارة استؤصلت ذاكرتها وصفع الخوف خدها.

كرصاص حرب تطرّز جسد أبنائها، أطبق وابل من المطر على القرية. أسمع خرخرة السواقي الشرهة.. زججت رأسي في قبّة معطفي.. وسّعت خطواتي في الطريق الصاعد بغير شدّة. بدت لي المقابر القريبة من بيت العائلة كغابة مكفهرّة من صلبانٍ طالما أجّجت خيالي بالظلمة وأشباح الموتى، ثَعَبَ** دم السماء تحت قصف الرعد. بقلبٍ واجف وأصابع مرتعشة رسمتُ إشارة الصليب على وجهي.. وجهًا لوجه، وقفت أمامي الراهبة الأم في مدرسة الراهبات، بكفّها الثقيلة التي كانت تضربني بها لتحسّن فرنسيّتي المتلعثمة. ضمّت أصابعي بقسوة ورفعتها إلى جبيني لانتشالي من شرودي الأبدي في صورة مريم وهي تحتضن ابنها.. ببلاهة طفوليّة نظرت في عينَي الراهبة. كانتا ضامرتين قاسيتين، أنفها معقوف، شفتاها ممحيتان كأنما التهمتهما اتّقاءً من شرّ خطيئة محتملة؛ بثوبها الأسود الطويل وحجابها الموشّى بقليل من الأبيض بدت لي أشبه بساحرة الظلمات. حاولت أن أمضغ ريقي، لكنه جفّ في حلقي. خفضت بصري مغمغمة، إلى جانبي أنّت إحدى الفتيات والراهبة تقرص أذنها، رفعت صوتي بالصلاة، أغمضت عينيّ وفتحتهما… بخوف تحسّست ظاهر كفيّ. شتمتُ الراهبة وفرنسيتها المتعجرفة. تبسّمت بزهو فتاة بلهاء.

خفّ زعيق المطر، اشتدّ صوت ضربات الآلة المجهولة، دفعت بوابة البيت المقشّر طلاؤها. خيال رجل بلباس أسود ينسلّ من الداخل.. قطعت أنفاسي، أتاني صوته حارقًا كريح جهنم.. إنّه صهر الزعيم، رجل اتّخذ من الكهنوت مهنة تسير به نحو العلا…

– أهلًا بنتي رؤى… شو جابك بهلبرد والشتي؟!

– أنت! أنت شو عم تعمل هون يا أبونا.. أنا! أنا حبّيت مضّي اليوم ببيت العيلة القديم… اشتقت كتير للأيام الماضية.

بعينين مواربتين وأوداج منتفخة، تهدّج صوت الكاهن:

– ما تواخذيني يا بنتي، بس هون ما بقا في بيت عيلة… نحن بعتنا لعمّك رسالة.. اشترينا البيت لحتى نكبّر الكنيسة.

جحظت عيناي.. أردت أن أشتم وأشاجر. عن يميني اقتربت جرّافة، غرزت مخالبها عميقًا واقتلعت شجرة لوز بلون عيون امرأة من ضباب، قذفت بي بعيدًا في زحام المدينة.

في 26 تموز 2020                                                              

*الرفيقة د. سوسان جرجس: دكتوراه في الأنتروبولوجيا، أستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانية.

** ثعب: تفجّر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *