مهرجان المَرانة.. والنغم النشاز

مهرجان المَرانة.. والنغم النشاز

 “إنّ الخلق والإبداع هما مقدرة ذاتيّة روحيّة فكريّة تتغلّب بقوّتها وبفاعليتها على كلّ صعوبة وتنتصر بالرغم من الصعوبات لا بسبب الصعوبات.”      سعاده، مؤتمر المُدرِّسين، الثلاثاء، 1 تمّوز 1948.

وردت هذه الكلمة لحضرة الزعيم إيضاحًا لفكرة ذكرها الرفيق جورج عطيّة، ناموس الندوة الثقافية وقتذاك، في كلمته الّتي كانت قد سبقت كلمة الزعيم، يقول فيها “إنّ الصعوبات تسبّب الخلق والإبداع”. ولعلّ تجربة مهرجان المَرانة الّذي أُقيم مساء الأحد الفائت (5 تمّوز 2020) في معبد “باخوس”[1]، احتفاءً بمئوية إعلان الجنرال غورو قيام “لبنان الكبير”، جاء تعبيرًا عن مَرانة شعبنا وقدرته على التكيّف في وجه الصعوبات. ولكن، وعلى الرغم من الجهد المبذول لإنجاز المهرجان ونجاح هذا الجهد بتقديم المهرجان بالصورة الرائعة الّتي قُدِّم بها، برز “نغم نشاز” شوّه جوّ المهرجان، تجلّى بتقديم قطعة موسيقية (وردت بعد النشيد اللبناني ومقدِّمة Carmina Burana وعرض الصور التاريخي الأوّل)، ألا وهي قطعة “نشيد (أو جوق) العبيد العبرانيين (Hebrew Slaves Chorus)” من أوبِّرا (Nabucco) لفيردي (Verdi)، المأخوذة بكاملها من كتاب التاناخ TaNaKh))، أي التُّورَاه (Torah) والأنبياء (Nabiim – بصيغة جمع المذكَّر السالم) والكتب (Ketubim) والّذي يمثّل ما يُسمَّى، خطأً، “العهد القديم” (مع كتب أُخرى) لمعظم الكنائس “المسيحية” (“غربية” و“شرقيّة”). علمًا أنّ كلمة (Nabucco) هي مختصر لاسم (Nabucodonosor) أو، الأصحّ، نابو-كودوري-أوصور، الّذي حرَّف اليهود اسمه في تاناخهم وكتبهم التالية ليُصبح نبوخذنصَّر. والمعلوم أنّ تشويه اليهود لاسم شخصٍ ما هو تحقير منهم لذاك الشخص. فهم يعتقدون أنّ لاسم الشخص نوع من التأثير عليه، فإذا تشوّه الاسم “تشوّه” الشخص بشكلٍ من الأشكال. ولا ندري لماذا اختيرت هذه القطعة بالذات لتُدرَج ضمن منهاج المهرجان. وربّما كان السبب ورود مقطع ضمن النشيد يتحدّث فيه كاتبه عن بلاده (صهيون) “الجميلة التعسة”!

أمّا ما يختصّ بمئويّة إعلان الجنرال غورو قيام “لبنان الكبير”، فنترك الردّ للأديب السوريّ جبران خليل جبران في مقالته المعروفة “لكم لبنانكم ولي لبناني”، والّتي ترجم عنوانها لصديقته ماري إليزابيت هاسكل “… سورياكم ليست سورياي وسورياي ليست سورياكم…”[2].

يبقى أنّ موعد تقديم المهرجان تزامن مع مناسبة تُعتبَرُ من الأهمّ والأسمى لدى كلّ سوريّ قوميّ اجتماعيّ هي مناسبة إعادة سعاده للأمّة وديعتها الّتي فيه عندما طلبتها، وما سبقها من معاناة له شخصيًّا ولجميع السوريين القوميين الّذين تعرّضوا لمختلف أنواع الاضطهاد والتعذيب، حتّى استشهاد عدد منهم، قبيل الثامن من تمّوز، استمرارًا لتاريخ 21 تمّوز 1949، التاريخ الّذي شهد على فساد نظام كان الحزب يسعى لتغييره عندما نُفِّذ حُكم الإعدام بستّة من رفقاء سعاده على طريقة “6 و6 مكرَّر”. لكنّ دم من وقف دمه على أمّته وحياتها وعزّها وخيرها وسعادتها كفيل بتطهير أدران “موكب أجيال” هذه الأمّة، بكافّة أبنائها وبناتها، وإن كانت الطريق، طريق المعرفة، طويلة وشاقّة، فـ“نحن القوميين الاجتماعيين قداخترنا هذه الطريق، على طولها وبطئها” (من خطاب سعاده في طلبة دمشق، 5 تشرين الثاني 1948).

الرفيق وجدي عزيز ڤينيس برباري


[1] المعبد هو معبد “أدون”، ولكنّ الاسم تغيّر مع التشويه المقصود لتاريخ بلادنا من قبل المؤرِّخين الرومانيين وغيرهم ليصبح “باخوس”.

[2] جبران، خليل جبران. من مذكّرات ماري إليزابيت هاسكل بتاريخ آب 1920 منشورة في «خليل جبران: حياته وعالمه»، تأليف جاين جبران وخليل جبران. 1974، ص 340 و430، حيث يذكر لها أنّه كتب مقالة لمجلّة «الهلال»، مصر، يقول فيها للسوريين:

“ … your Syria is not my Syria and my Syria is not your Syria …”.

بعض الملاحظات حول

أوبّرا ”نابوكو“ (Nabucco)

Nabucodonosor

نبوخذ نصّر؛ [1]Nabu-Kudduri-Usur

تأليف Giuseppe Verdi

نابوكو Nabucco (اختصار لاسم نبوخذ نصّر) هي أوپّرا من أربعة فصول لجوسپّه ڤردي، وليبرتّو تميستوكله سولرا، وهي مقتبَسة من قصّة من الكتاب المقدَّس[2] والنصّ المسرحي من تأليف أوگستس أنسيه – بورجوا وفرانسيس كورنو عام 1836. وهي ثالث أوپّرا لڤردي والأوپّرا الّتي صنعت شهرته في عالم التأليف الموسيقي.

تدور أوپّرا نابوكو حول المحنة[3] الّتي تعرّض لها اليهود، من اعتداء، غزو، ثمّ النفي من أراضيهم على يد الملك البابلي نابوكو )نبوخذ نصّر الثاني). وقد استُخدمت الأحداث “التاريخية”[4] كخلفية للحبكة الرومانسية والسياسية لقصّة الأوپّرا.

عُرضت الأوپّرا لأوّل مرّة يوم الأربعاء، 9 آذار 1842 في تياترو ألا سكالا، ميلانو تحت اسمها الأصليّ نبوخذ نصّر. واستخدم الاسم المختصر لها نابوكو لأوّل مّرة عند عرضها على سان جاكومو تياتر في كورفو، سبتمبر 1844. مع ذلك، فهناك رواية أكثر قبولًا حول اختصار الاسم بأنّه استُخدم لأوّل مرّة عند إعادة عرضها على تياترو گيگليو في لوكا.

Hebrew Slaves Chorus

أنشودة العبيد العبرانيين

(Act 3; Scene 2)

النصّ الأصليّ باللغة اللاتينية

Va, pensiero, sull’ali dorate;

Va, ti posa sui clivi, sui colli

Ove olezzano tepide e molli

L’aure dolci del suolo natal!

Del Giordano le rive saluta,

Di Sionne le torri atterrate.

Oh, mia patria sì bella e perduta!

Oh, membranza sì cara e fatal!

Arpa d’or dei fatidici vati,

Perché muta dal salice pendi?

Le memorie nel petto raccendi,

Ci favella del tempo che fu!

O simile di Solima ai fati

Traggi un suono di crudo lamento,

O t’ispiri il Signore un concento

Che ne infonda al patire virtù,

أحد النصوص باللغة الإنكليزية[5]

Speed your journey, my thoughts, and my longings

speed your journey to mountain and valley,

where the sweet-scented air breathes a fragrance

o’er the homes that we knew long ago!

To the waters of Jordan bear greetings

to the downfallen temples of Sion.

O my country, so fair and so wretched!

oh remembrance of joy and of woe!

Golden harps of the prophets, oh tell me

why so silent you hang from the willow?

Once again sing the songs of our homeland,

sing again of the days that are past!

We have drunk from the cup of affliction,

And have shed bitter tears of repentance, oh,

inspire us, Jehovah, with courage

so that we may endure to the last.

(ترجمة أوّلية للنصّ باللغة الإنكليزية – فوق)

أسرعي في رحلتكِ، يا أفكاري، ويا أشواقي،

أسرعي في رحلتكِ، إلى جبلٍ ووادي،

حيث الهواء العطِر يتنفّس أريجًا،

فوق منازل عرفناها منذ زمن بعيد!

إلى مياه الأردنّ ٱنقلي تحيّة،

إلى هياكل صهيون المتداعية،

آه يا بلادي، الجميلة والتعسة!

آهٍ، ذكرى فرح وحزن!

قيثارة الأنبياء الذهبية

لمَ تتدلّين بصمت من الصفصافة الحزينة؟

غنّي، مرّة أُخرى، أغنيات بلادنا

غنّي، ثانية، عن أيّام مضت.

لقد شربنا من كأس المعاناة

وذرفنا دموع الندامة المُرّة

ألهمنا، يا يهوه، الشجاعة

كي نستمرّ حتّى النهاية!

وكان هذا المقطع بمثابة نشيد للوطنيين الإيطاليين في سعيهم لتحرير إيطاليا من السيطرة الأجنبية حتّى عام 1861، حتّى أنّ الكاتب والصحفي البارز جيورجيو سوافي كتب مقترِحًا باستبدال النشيد الوطني الإيطالي بـ Va, pensiero عام 1981.[6]

الدقّة التاريخية:

  • يبدو أن كاتب النصّ مزج عدّة شخصيّات تاريخية في شخصية نبوخذ نصّر في الأوبّرا (نبوخذ نصّر، نابونيدس البابليَّين، وقورش الفارسيّ). وقد بدا هذا المزج واضحًا في الجزء الخاصّ بجنون الملك البابلي، نابوكو.
  • كذلك، في أحد المشاهد (الفصل الثالث، المشهد الأوّل) يتمّ تمزيق “أوراق” أحد الوثائق، علمًا انّ الورق لم يكُن قد استُعمل في الفترة التاريخية المزعومة للأوبّرا.[7]

[1] الاسم الأصليّ غير المُحرَّف للملوك الّذين عُرفوا فيما بعد باسم نبوخذ نصّر (الأوّل والثاني).

[2] يُقصد هنا ما يُعرف بـ“العهد القديم” وهو مجموعة من الكتب الّتي تُعتبَر مقدَّسة لدى اليهود ومعظم الكنائس “المسيحية”.

[3] “المحنة” المذكورة هي تدبير إداري كان المسؤولون المركزيّون يقومون به لقمع الاضطرابات المتكرّرة في جنوب غرب المملكة، والّتي كانت تقوم، بمعظمها، بتحريض من الممالك المصرية المتعاقبة. وكانت الدولة المركزية تنقل جزءًا من مسؤولي مناطق الاضطرابات إلى مناطق أُخرى من المملكة بهدف تهدئة الأوضاع. ولعلّ مرور شعوب البحر في المناطق الساحلية والداخلية من الشاطئ السوري الغربي (كيليكيا شمالًا – سيناء جنوبًا) لعب دورًا في اعتبار عدد كبير من المؤرّخين الغربيين، خطأً، أنّ الساحل السوري “منفصل” حضاريًّا عن الداخل!

[4] لم تعُد الكتابات “الدينية” اليهودية القديمة تُعتبَر مصدرًا “تاريخيًا” لدى معظم علماء التاريخ. هي مجموعة “أدبيّات” اقتُبست، مع تشويه مقصود و/أو غير مقصود، عن أدبيّات الشعب السوريّ عبر فترات زمنية متباعدة واستُخدمت لأغراض “سياسيّة” مختلفة عبر التاريخ!

[5] كما أدّته جوقةOpera North Orchestra and Chorus ، بقيادةDavid Parry ، سنة 2006.

[6] موقع «دنيا الوطن» الألكتروني:

https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2020/03/23/1323925.html

[7] موقع ويكيبيديا الألكتروني.

ننصح بقراءة بيان عمدة الإذاعة الصادر في في 15 أيار 2015 بعنوان: من الانتفاء بالغرائز إلى الانتماء بالعقل، حيث يجد القارئ ملحقًا يتناول مسألة تسمية أنبوب نقل الغاز الذي يمرّ من آسيا إلى أوروبا عبر تركيا باسم “نابوكو NABUCCO”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *